بدأت السلطات الفرنسية بطلب من وزارة الشؤون الخارجية نهاية الأسبوع الماضي التحقيق في حادث محاولة اقتحام مصطفى أديب، القبطان السابق في القوات المسلحة الملكية، لغرفة الجنرال المغربي عبد العزيز بناني داخل المستشفى العسكري «فال دو غراس» في العاصمة باريس حيث يتلقى العلاج. مؤكدة «اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة».
وقامت مصالح الدرك الفرنسي بإيقاف أديب ووضعته رهن الاعتقال بناء على شكاية تقدم بها الجنرال يتهمه فيها بتهديده خلال إقامته بالمستشفى العسكري للعلاج، وتم التحقيق مع أديب لنحو 3 ساعات قبل أن يتم يطلق سراحه. من جهته نفى الأخير أن يكون هدد الجنرال لأنه لم يلتقه بل اكتفى ببعث باقة ورد ورسالة. وانصبت تحقيقات الدرك الفرنسي حول ملابسات الحادث وكذا الطريقة التي تمكن بها أديب من الولوج إلى المستشفى العسكري.
وصرح رومان نادال، الناطق الرسمي باسم وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية أن بونوا بوغا، رئيس هيئة الأركان في الجيش الفرنسي قد زار الجنرال بناني، وأضاف الناطق الرسمي: «نحن لا نتهاون في سلامة الشخصيات التي على أراضينا». مشيرا إلى أن «العلاقات القضائية بين البلدين عالقة منذ أسابيع ونعمل على إعادتها إلى طبيعتها بشكل سريع». مشددا على أن «فرنسا تؤكد على أن ما حدث في مستشفى فال دو غراس هو حادث فردي وأنه من غير الطبيعي أن تتلقى شخصية مغربية كبيرة جاءت إلى فرنسا لتلقي العلاج رسائل تهديدية».
ونشر القبطان السابق بالجيش المغربي شريط فيديو على موقع «يوتيوب» الأحد الماضي لتفاصيل زيارته للمستشفى العسكري ف يباريس. حيث كان يحمل معه كاميرا خفية لتصوير تفاصيل الزيارة. حيث ظهر من خلال الشريط المنشور أن أديب لم يتمكن من لقاء الجنرال ولا ابنه، بل اقتصر الأمر على بضع كلمات تبادلها مع زوجة ابن الجنرال أمام باب الغرفة الخاضعة للحراسة. وبعد أن تعرفت كنة الجنرال على أديب، أخبرته أن «الجنرال بخير»، غير أنه «لا يمكنه رؤيته في الوقت الراهن». طالبة منه بلباقة الحضور «بعد أسبوع أو أكثر ريثما تكون صحة الجنرال قد تحسنت إن شاء الله» ثم تسلمت منه باقة الورد والرسالة المرفقة بها.
وبعد بيان رئاسة الحكومة شديد اللهجة المندد بزيارة أديب للجنرال بناني «حاملا ورودا رخيصة»، قال عبد الإله بن كيران، رئيس الحكومة المغربية، في لقاء حزبي في مدينة سلا نهاية الأسبوع الماضي أنه «يحيي الجنرال عبد العزيز بناني حفظه الله»، مدينا مجددا «التصرف غير الأخلاقي الذي قام به ذاك المسمى أديب وما هو بأديب». مضيفا «كان عليه أن يوقر رجلا مريضا وفي الكوما (حالة غيبوبة)»، ذاكرا أنه التقاه عدة مرات وأنهما اشتغلا معا. قبل أن يختم بالقول أنه «إذا فقدناه فستكون خسارة عظمى، حتى تكون الأمور واضحة».
من جهته صرح إدريس لشكر، الكاتب الأول حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (معارض) أن «العلاقة الاستراتيجية التي حرص الطرفان على تقويتها منذ الاستقلال تفرض على الحكومة الحالية نتيجة توالي الأخطاء وتقديم الاعتذارات الواحدة تلو الأخرى من طرف فرنسا، بلورة رؤية استراتيجية جديدة وواضحة تساهم في مراجعة مختلف العلاقات مع هذا البلد». مضيفا أن «فرنسا بالرغم من كونها كانت دولة محتلة لبلادنا، فهي حليف للمغرب منذ الاستقلال»، مستعرضا تاريخ العلاقة بين البلدين وأن «ما تعيشه هذه العلاقات من توترات يدفعنا، كحزب وطني جاد، إلى دق ناقوس الخطر».
وأضاف لشكر في لقاء حزبي بإقليم سيدي سليمان (نحو 90 كلم شمال شرق الرباط) أن «الاتحاد الاشتراكي، وأمام تكرار هذه الأزمات، لا يمكن له إلا أن يذكر المسؤولين بفرنسا، ومن يتربص من داخل فرنسا لتأزيم العلاقات التاريخية الجيدة مع هذا البلد، أن حزبنا لم ينخرط في تأجيج الأفعال وردود الأفعال بمناسبة الأخطاء وصدور الاعتذارات». موضحا أن الحزب وهو «يتابع تكرار هذه الأخطاء والاعتذارات لثلاث مرات، أصبح في وضع اضطراري لتحليل هذه الهفوات، وافتراض وجود لوبيات داخل فرنسا تحاول دعم خصوم الوحدة الترابية المغربية». مطالبا «الدولة الفرنسية بفتح بحث معمق لكشف ملابسات هذه المحاولات الفاشلة التي تطمح إلى تسميم العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين البلدين خدمة لمصالحهما العليا».
وختم بالقول أن «الوقت قد حان لمراجعة كل الاتفاقيات، خصوصا القضائية منها. فلا يستساغ في زمننا الراهن حرمان المواطنين والمواطنات المغاربة من إمكانية متابعة مسؤول فرنسي قضائيا، في الوقت الذي يستطيع فيه بعض المواطنين المشبوهين تقديم شكايات كيدية ضد مسؤولين مغاربة بفرنسا، شكايات تتحول إلى متابعات ومضايقات غير مفهومة».
وتتراوح آراء المراقبين بين من اعتبر الحادث فعلا انفراديا، ينبغي عدم تضخيمه أكثر من حجمه الطبيعي. بينما تذهب بعض التحليلات، استنادا إلى أن ولوج أديب إلى مستشفى عسكري يستلزم إذنا مسبقا وإلى نشر وكالة الأنباء الفرنسية لخبر وضع أديب لشكاية ضد رئيس الدولة المغربية ونحو 30 شخصية مغربية مدنية وعسكرية بمن فيهم بناني أمام القضاء الفرنسي متهما إياها بالتعذيب والمعاملة المهينة خلال فترة اعتقاله أواخر تسعينيات القرن الماضي مباشرة بعد الاستماع إليه من طرف السلطات الفرنسية، تذهب إلى أن الحادث رسالة مبطنة من فرنسا إلى المسؤولين السامين المغاربة مفادها أنهم غير مرحب بهم فوق التراب الفرنسي. لا سيما وأن الحادث أتى بعد سوابق عكرت صفو العلاقة بين البلدين، حيث عبر المغرب من جهته في الآونة الأخيرة عن «استهدافات وممارسات طالت بباريس مسؤولين مغاربة سامين أمنيين ودبلوماسيين».
مصعب السوسي

تعليقات الزوار
لا تعليقات