من مضحكات دستور سلطة الرداءة والهزال أن القوم دستروا التصريح بالممتلكات لمن يترشح لرئاسة الجمهوريةǃ ومنع من يضع ترشحه لدى المجلس الدستوري من الانسحاب؟ǃ
أولا: حكاية إلزام المترشح للرئاسة بالتصريح بممتلكاته عند الترشح فيها اتهام ضمني له بأنه يمكن أن يكون سارقا عندما يصبح رئيسا ولهذا وضعت له هذه المادة في الدستور لمحاسبته..ǃ والسؤال الذي يطرح: ما قيمة هذه الدولة التي يترشح لرئاستها شخص لا تعرف الدولة عنه وعن ممتلكاته أي شيء ويطلب منه هو أن يعرف بنفسه وبممتلكاته؟ǃ
في البلدان الأخرى من يترشح إلى هذا المنصب يكون معروفا سياسيا وماديا لدى الرأي العام وليس الدولة فقط، أما عندنا فتترشح الأرانب النكرات ووسطهم يمكن أن يترشح المشبوهون وذوو النوايا السيئة والسراق المحتملون؟ǃ
أما حكاية منع المترشح من الانسحاب عندما يترشح فهي مسخرة أخرى ومحاولة لاستعمال الدستور في قمع المترشحين إذا احتجوا على التزوير، وهي حالة كارثية؟ǃ ثم لماذا يسمح للمترشح في الدور الثاني بالانسحاب ولا يسمح له في الدور الأول؟ǃ
حكاية استخدام الدستور من طرف السلطة المزوّرة والفاسدة والرديئة سياسيا ذكرتني بالحكاية التي يوردها فقهاء القانون.. “المواطن بريء حتى تثبت إدانته” وتحولت عند فقهاء الدستور عندنا “المترشح المواطن مدان حتى يثبت براءته”ǃ تماما مثلما تعاقب بلديات التزوير الانتخابي السائقين بالجملة بوضع “ظهور الحمير” في الطرقات، لأن أحد المواطنين لم يحترم إشارات المرور المحددة للسرعة، لذلك يعاقب كل السائقين.ǃ والشيء بالشيء يذكر.
في سنة 1984 زرت السويد في إطار تغطية زيارة الرئيس الشاذلي رحمه الله لهذا البلد، كانت السويد كلها آنذاك تناقش مسألة أخلاقية تتصل بالأخلاق العلمية والسياسية لأن أحد المصريين واسمه (عادل) دخل السويد “حراڤا” في باخرة تجارية رفقة زميل له وكان هذا “الحراڤ” يحمل شهادة بكالوريوس في الصيدلة ولكنه عندما طلب وظيفة في شركة الدواء السويدية صرح بأنه يحمل دكتوراه، وسلمت له الوظيفة في الشركة على أساس الدكتوراه وأبدى مهارات عالية في أداء مهامه مكّنته من الوصول إلى قيادة الشركة بأكملها بل وترأس فطاحل الباحثين في الدواء والحاصلين على جوائز نوبل وجعل من الشركة أكبر شركة عالمية في إنتاج الدواء لها 10 فروع عبر العالم بما فيها الولايات المتحدة واليابان وألمانيا، وكانت شركة الدواء السويدية ثاني شركة بعد شركة “فولفو” للسيارات في التجارة الخارجية للسويد، وقام رئيس الوزراء أولف بالم بتكريم هذا المصري باسم الدولة السويدية وإعطائه وسام الاستحقاق الوطني اعترافا له بما قدمه لأمة السويد لكن زميله الذي “حرڤ معه من مصر في الباخرة” وشى به إلى اللوبي اليهودي هناك، قائلا لهم إنه قبل 15 سنة عندما قدم للسويد أدلى بتصريح كاذب فقال إنه يحمل دكتوراه وهو لا يحمل سوى بكالوريوس، وفتح نقاش على مستوى الرأي العام: هل تسكت السويد على كذب هذا العالم أم تحاسبه على الكذب؟ ولكن في النهاية قرروا محاسبته لأنه كذب على الأمة السويدية ذات يوم وأن إنجازاته العلمية للسويد لا تغفر له كذبه. هكذا تتعامل الأمم الحية مع الأخلاق والسياسة والعلم، فأين نحن؟
سعد بوعقبة

تعليقات الزوار
لا تعليقات