"لقد جلبوا معهم الأمراض، انهم لا يغتسلون" هكذا عبر محمد امين مثله مثل كثير من الجزائريين عن رفضه لوجود المهاجرين الافارقة. وهذه النظرة التي يأتيها العديد من الجزائريين ضد المهاجرين الأفارقة والتي توصف بـ"العنصرية والحاقدة"، هي على ما يبدو نتيجة مباشرة وسريعة لعمليات التحريض ضد هؤلاء المهاجرين التي تقوم بها الدوائر "الرسمية" في البلاد عبر وسائل الإعلام وخاصة المكتوب منه الذي اتهمهم الأسبوع في حملة ممنهجة تركز على أنهم السبب في انتشار الإيدز، وفي كل مصائب الجزائر من تدهور لقطاع الخدمات وانتشار البطالة رغم إمكاناتها الاقتصادية الرهيبة. وبدأ هؤلاء المهاجرون يتوافدون بالمئات الى الجزائر بسبب الأوضاع المأساوية التي تعيشها دول مجاورة مثل مالي والنيجر ونيجيريا، وحديثا بسبب الفوضى التي باتت تعم ليبيا، لكن لا يبدو أن المآسي ستفارقهم في هذا البلد الشمال إفريقي الذي تفعل سلطاته المستحيل لإلهاء مواطنيه عن أوضاعه المعيشية الصعبة وإشغاله بقضايا هامشية من قبيل أن "المهاجرين الأفارقة" يمكن أن يشكلوا خطرا على صحته وعلى حظوظه في الشغل ومن ثمة في لقمة عيشه. وفي بوفاريك الغنية باراضيها الخصبة وعلى البوابة الغربية للعاصمة، يعيش مئات الاشخاص في مخيم مؤقت وفي ظروف صعبة. هنا يسمونه "مخيم الافارقة" او "مخيم السود"، وتنشر في العديد من المدن الجزائرية مخيمات مشابهة. وبالنسبة للشابين كريم وامين من بوفاريك فإن "هؤلاء الافارقة وسخين ولا يعملون" مستشهدين على اتهاماتهم بمقالات صحافية. ومن هذه الصحف يومية الفجر التي خصصت صفحتها الاولى لهذا الموضوع "الاف الافارقة غزوا شوارع العاصمة" واتهمت الصحيفة الافارقة بانهم "ينشرون الاوبئة والامراض الاجتماعية كتزوير العملة". والاسبوع الماضي عبر مدير برنامج الامم المتحدة لمكافحة الايدز بالجزائر عن "صدمته" بعد نشر مقالات في الصحف الجزائرية تربط بين انتشار الايدز الذي يمس 8258 جزائري من اصل 38 مليون نسمة، ووصول المهاجرين الافارقة الى شمال البلاد. واعتبر ذلك "عنصرية". وصرح مدير البرنامج عادل زدام "لا توجد علاقة سببية بين الهجرة والاصابة بمرض الايدز" مشيرا الى ان المقالات الصحفية التي ربطت بين "انتشار" فيروس نقص المناعة ووصول المهاجرين الافارقة "لا اساس لها" و"عنصرية". ونشرت الصحف الجزائرية خلال الأيام الماضية مواضيع كثيرة حول المهاجرين من دول الساحل الإفريقي، كما تحدثت عن "غزو" للافارقة المتهمين بنشر الامراض. وكتبت الشروق في عدد الاثنين تحت عنوان "عشرة امراض خطيرة بشوارعنا" إن "قوافل من قبائل مالي والنيجر اجتاحت معظم ولايات الجزائر (...) لتصنع مظاهر تشكل خطرا على المجتمع، كالتسول واحتلال الشوارع الكبرى، أضف إلى ذلك الأمراض التي يحملها بعض هؤلاء على صحة الجزائريين". وأشارت هذه الصحف إلى ان الخطر من "تدفق للاجئين" يتجاوز تسريب الأسلحة والمخدرات، ليمتد إلى الأمراض المعدية كـ"الملاريا والايدز والايبولا "التي ينقلها أكثر من 9 آلاف مهاجر سنويا إلى الجزائريين. ويقول مراقبون إن السلطات الرسمية الجزائرية دأبت على التعلق بأي سبب لتهرب من مسؤوليتها المباشرة في تدهور مختلف قطاعات الخدمات مثل التعليم والصحة. وفي الشأن الصحي، يعاني القطاع من تدهور أوضاع المؤسسات الصحية إلى حد باتت معه عاجزة عن تقديم خدمات العلاج والوقاية من الأمراض والأوبئة رغم أن دولا مجاورة للجزائر وأقل منها إمكانيات مادية قد قضت عليها منذ عقود. وأحصت الجزائر في نهاية 2013 حوالي 8258 حالة اصابة بفيروس الايدز، بحسب الارقام الرسمية. وتنفي مصادر جزائرية مطلعة أي دور للأفارقة المهاجرين في مفاقمة هذا الوباء بالاد. وتقول ان "العلاقات الجنسية بين الجزائريين انفسهم هي السبب الرئيس لانتقال المرض (90%) اما حالات الاصابة بين الجزائريين والأجانب فنادرة جدا". وقال علي الاستاذ المتقاعد ان المقالات الصحفية المليئة بالدسائس على المهاجرين من شأنها ان تزيد من عنصرية المجتمع الجزائري عنصرية اكبر، متاسفا "لنقص الإنسانية" لدى مواطنيه خاصة امام "محنة هؤلاء النسوة". وترى هذه المصادر أن المهاجرين الأفارقة يمكن ان يكونوا مادة خصبة للدعايات الحكومية الرسمية المزيفة عن دورهم في تغذية ظاهرة البطالة التي تعصف بالجزائريين وفي التهريب وعيرها من النشاطات الإجرامية. ومثل هذه الدعايات يمكن أن تجد لها صدى واسعا لدى الجزائريين فتبعد أنظارهم عن التركيز على الأسباب الحقيقية لمشاكلهم، وعن دور العديد من كبار المسؤولين والعسكريين في رعاية الفساد واحتضان مجموعات الجريمة المنظمة، ودورهم ايضا في حرف الأموال العمومية عن مسارها الطبيعي لتطوير الخدمات ودعم الاقتصاد الوطني، عبر حملات نهب منظمة تركت دولة بإمكانات الجزائر في قمة الدول الأكثر فسادا في العالم. وفي بداية ايار/مايو تاه العشرات من المهاجرين في الصحراء وهم في طريقهم الى الجزائر. وتساءلت الباحثة الاجتماعية فاطمة او صديق "في اي منطقة نحن.. عندما نسمع جزائريين يتحدثون عن الأفارقة"، وتأسفت لتزايد العنصرية في المجتمع. وأضافت "هذا الرفض للآخر هو في الحقيقة رفض للذات" بما أن الجزائر هي اكبر دولة افريقية من حيث المساحة. ولعدم حصولهم على وثائق قانونية، يضطر النيجريون للعيش متخفين، خشية ان يتم "اعادتهم الى نقطة البداية" كما يروي محمدو، وهو بناء عاطل عن العمل يحاول العيش بالعمل دون وثائق لتوفير بعض المال وارساله الى عائلته في زندر في جنوب النيجر. لاورا، ام في الخمسين من العمر وصلت الى هنا قبل سبعة اشهر. تعاني من الام في الامعاء لكنها ترفض الخروج من خيمتها خوفا من ان توقفها الشرطة. واكد سليمان ان "حوالي 300 شخص اوقفوا السبت من طرف الشرطة ووضعوا في حافلات لنقلهم الى تمنراست" من حيث جاؤوا اول مرة.. كل المهاجرين في مخيم بوفاريك جاؤوا من زندر ثاني مدينة في النيجر من حيث السكان.. لقد دفعوا 700 الف فرنك افريقي (1100 يورو) الى مهربين لعبور الصحراء خلال يومين.. والسعر محدد وموحد سواء كان المهاجر طفلا او بالغا"، كما روى ماساحدو باللغة الهوسية المترجمة الى العربية من طرف غالي احد المهاجرين المقيمين المخيم.
بن موسى للجزائر تايمز

تعليقات الزوار
لا تعليقات