استغرقت مراسم أداء اليمين الدستورية دقائق معدودة، وتخطى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة امتحان قراءة 94 كلمة بصعوبة وهو جالس على كرسي متحرك. وصفقت له قاعة قصر الأمم بحرارة، وحيّته بعض النساء من “إطارات الأمة” بزغاريد دوّت المكان. وانتهى المشهد بعجز “صاحب العرس” عن قراءة خطاب قدّمه موالون للرئيس للصحافة، قبل انطلاق الحفل، على أنه الدليل بأن بوتفليقة “يحكم بمخه وليس برجليه”، فكان الدليل القاطع بأن الرئيس غير قادر على أداء مهامه.
كانت حالة الترقب كبيرة بنادي الصنوبر ب...الضاحية الغربية للعاصمة، أمس، قبل وصول بوتفليقة. فالكثير من المدعوين توقعوا مشاهدة الرئيس على غير الحالة التي شوهد عليها في المدة الأخيرة. وأشدّ الموالين له من الوجوه المألوفة المحيطة بحاشية الرئيس، راودهم حلم رؤيته يمشي على رجليه فيكون المشهد “صفعة للمشككين في سلامة القدرات الذهنية والبدنية للرئيس”.
وتم عزل الصحافة من محررين ومصورّين في قاعة صغيرة، بعيدا عن بهو قصر الأمم وقاعة المؤتمرات حيث جلس المئات من “إطارات الأمة” ومعهم أعضاء الحكومة وأعضاء السلك الدبلوماسي الأجنبي، ينتظرون قدوم الرئيس. وكانت الخطة، منع احتكاك الصحافيين بالمدعوين وخاصة الوزراء. وقد عبّر عضو بمديرية الأمن الرئاسي عن ذلك بعفوية لما قال لصحافية “ليبرتي”: “لقد تلقينا تعليمات بإبقاء الصحافيين في الحظيرة”! واستهجنت الصحافية كلمة “حظيرة”، التي اعتبرها صحافيون تعبّر بصدق عن نظرة المحيط الرئاسي لقطاع من الصحافة.
ولوحظ في القاعة لما امتلأت عن آخرها، “كوكتيل” من أنصار بوتفليقة. فقد حضر ملك الراي خالد حاج إبراهيم بابتسامته العريضة المشهورة، ومعه المطرب محمد العماري الذي ظل “ثابتا” على ولائه للرئيس منذ 1999. وشوهد علي حداد، رئيس نادي اتحاد العاصمة لكرة القدم، وأشهر المقاولين في البلاد المعروف باستعداده الدائم لتوفير ما يلزم من المال، عندما تخوض عائلة بوتفليقة الحملات الانتخابية. وظل حمراوي حبيب شوقي، وزير الاتصال سابقا، لصيقا بحداد واجتهد ليلفت الانتباه لذلك.
وكان ضمن التشكيلة الكبيرة للموالاة، محفوظ قرباج، رئيس الرابطة الاحترافية، وحكيم سرّار، مناجير اتحاد بلعباس. وعدد كبير من المنتمين إلى المديريات الولائية لـ”المترشح الحرّ” سابقا. أما عن الشخصيات السياسية والحزبية، فقد برز عمار سعداني، أمين عام الأفالان، وقادة بعض الأحزاب الصغيرة اللصيقة بحاشية الرئيس، مثل بلقاسم ساحلي، مسؤول التحالف الوطني الجمهوري. واصطف العشرات من المدعوين في طابور، ينتظرون الدور لتهنئة ناصر بوتفليقة بفوز الأخ الأكبر بـ”الرابعة”، وكان هو يرد بالشكر والابتسامة، مبديا حرصا على تجنب الاستجابة لطلبات التحدث إليه جانبا.
وحضر بلعيد عبد العزيز، الثالث في ترتيب الرئاسيات الماضية. وحضرت أيضا لويزة حنون التي استقطبت إليها المقرّبين من بوتفليقة الذين قبّلوها بحرارة، بعضهم قدم لها الشكر على آدائها أثناء العملية الانتخابية. وأظهرت هذه اللقطات وسط الزحمة، كما لو أن حاشية الرئيس أبلغت لويزة امتنانها للدور الذي قامت به لمصلحة بوتفليقة في الحملة الانتخابية، وردّت هي بابتسامة وبكلمات الشكر على العرفان بالمجهود الذي بذلته “في سبيل وقاية البلاد من التدخل الأجنبي”، وهو عصارة الخطاب الذي ميّز حملتها الانتخابية.
وفي حدود 10 و30 دقيقة وصل موكب بوتفليقة إلى نادي الصنوبر. وأنزل الحرس الرئاسي رئيس الجمهورية من السيارة وهو جالس على كرسي متحرك. تولى أحد الحراس دفع الكرسي إلى باب قصر الأمم، ثم توقف به لبضع دقائق لفسح المجال لتشكيلة من الحرس الجمهوري لتعزف له النشيد الوطني، فوجه لها بوتفليقة التحية بيده اليمنى. وفي هذه اللحظة كان الحاضرون في القاعة يتابعون المشهد على المباشر، بواسطة ثلاث شاشات كبيرة فصفقوا له وتعالت الزغاريد.
ثم جرّ الحرس الرئاسي الكرسي المتحرك إلى بهو قصر الأمم ببطء شديد، وكان على جنبات الممر السعيد بوتفليقة يراقب المشاهد ويديرها “من وراء ستار” كما جرت العادة. ووجد بوتفليقة في استقباله الفريق ڤايد صالح، نائب وزير الدفاع وقائد أركان الجيش، ورئيسي الغرفتين البرلمانيتين العربي ولد خليفة وعبد القادر بن صالح، ورئيس المجلس الدستوري مراد مدلسي. ووزراء الدولة الطيب بلعيز وأحمد أويحيى وعبد العزيز بلخادم، ووزيرين يشرفان على قطاعين من قطاعات السيادة هما الطيب لوح (العدل) وكريم جودي (المالية). واستبق هؤلاء الرئيس إلى قاعة المؤتمرات، وكان في مقدمتهم العسكري صالح!
وبعد دقائق دخل بوتفليقة بكرسيه مدفوعا إلى المنصة، حيث كانت نسخة من المصحف الشريف فوق مكتب قصير تم تجهيزه خصيصا ليكون في مستوى شخص جالس على كرسي متحرك. وصعد الرئيس الأول للمحكمة العليا، سليمان بودي، إلى المنصة، وبدأ يتلو كلمات اليمين الدستورية واحدة بواحدة، ورددها بوتفليقة واحدة بواحدة بصوت خافت نسبيا، وواجه في بعض الأحيان صعوبة في النطق. إلى حد الآن اجتاز بوتفليقة الامتحان بدون مشكل لافت، وترقب الحاضرون في هذه اللحظة إما أن ترفع الجلسة أو يقرأ الرئيس الخطاب الذي وجدوه فوق كراسيهم في الصباح. وبدأ الرئيس يقرأ الخطاب بصعوبة، كما لو أنه استنفد كل قواه وكامل طاقاته في تلاوة القَسم الدستوري.
ومع مرور الكلمات ازداد نطقه بطئا وضعفت قدرته على مواصلة قراءة الخطاب، وتمكن بشق الأنفس من إتمام الفقرة الثالثة من الوثيقة التي تتضمن 29 فقرة أخرى، وحتى في بضع الكلمات التي تفوّه بها ارتكب أخطاء. لقد كان الخطاب طويلا وشاقا على رجل اتضح أمس جليا أنه مريض، حاول عبثا أن يثبت للجزائريين أنه قادر على آداء مهامه.
الخبر

تعليقات الزوار
لا تعليقات