فعلها بوتفليقة وفاز بعهدة رابعة، مهّدت له الطريق لقضاء ما تبقى له من حياته في قصر المرادية، وحققت له أمنية تسيير شؤون الجزائريين لمدة 20 سنة متتالية، إلا إذا قضى الله أمرًا كان مقضيا. ولكن ما الذي يحمل وعاءً انتخابيا قدّره وزير الداخلية والجماعات المحلية بأكثر من ثمانية ملايين ناخب للتصويت على رئيس بلغ أرذل العُمُر، خارت قُواه، وخانته رُكبتاه، فلم يعُد يقوى على المشي إلا على كرسي متحرك، ولا على الكلام إلا همسًا، أو من وراء حُجب ؟.. أهي بركة بوتفليقة التي يتغنّى بها أنصارُه، أم أنها هلكةُ مجتمع كثُر فيه الخَبَث. أو تُراها قوة رجل فاز في استحقاق رئاسي، ولم يتفوّه بكلمة واحدة، أم ضُعف خصومه الذين حصدوا الهزيمة، وجرّوا وراءهم أذيال الخيبة، رغم أن أصواتهم بحّت وهم يمسحون تُراب الجمهورية مسحا.
الحقيقة أنه بغض النظر عن وجود تزوير أو تضخيم لنسبة المشاركة من عدمه، فإن هناك عوامل عديدة تراكمت لتجعل حُلم ”بركات” و”رفض” وبعض القوى السياسية بتعطيل العهدة الرابعة نسيًا منسيا، وسرابًا يحسبه الظمآن ماءً.
ولعلّ أول هذه العوامل، هو عدم وجود معارضة حقيقية بإمكانها قلب الطاولة، أو على الأقل خلق التوازن مع سلطة تغوّلت، والدليل على ذلك نجاح هذه الأخيرة في حبك انتخابات على المقاس بمنافسين أرانب بمستويات وأحجام مختلفة، ليس لهم ثقل يُمكنهم من مجابهة بوتفليقة حتى لو كان هذا الأخير في غيبوبة داخل غرفة الإنعاش، وليس فقط مُقعدا فوق كرسي. فقد تنوّع الفرسان المتنافسون بين بلعيد المترشح المتربص، ولويزة المستميتة في الدفاع المُسبق عن العزيز المُنتصر، وربّاعين حامل شعار المهم المشاركة، وتواتي العاجز حتى عن تسيير مشاكل حزبه، وبن فليس الذي غاب عشر سنوات كاملة منذ هزيمته في 2004 قائلا بلسان الحال طيلة هذه المدة، إني نذرت للرحمان صومًا فلن أُكلّم اليوم إنسيا.
ثانيا : دور القوة الصامتة في حسم النتيجة لصالح الرئيس المترشح، لأن الفائز الحقيقي في هذه الانتخابات وبلغة الأرقام، لم يكن عبد العزيز بوتفليقة، وإنما شريحة الممتنعين عن التصويت، المتحالفة مع حزب الأوراق الملغاة بمجموع أكثر من 12 مليون صوت، وهم في مجملهم من فئة الشباب التي تعبر بعزوفها في كل موعد انتخابي عن كفرها بسياسات التسيير والمسيرين معا، ما قصر العملية الانتخابية على مواطنين أغلبهم من المسنين والنساء الذين اختاروا بوتفليقة بمنطق ”الموالفة خير من التالفة”.
ثالثا : فزّاعة الأمن والاستقرار التي صاحبت الاقتراع من خلال إنتاج سيناريو حرب أوهم المواطنين بإمكانية انفلات الأمور وحدوث انزلاقات قد تأتي على الأخضر واليابس، في حال عدم سير الأمور مثلما تم التخطيط لها، فكانت المساومة ما بين الاستقرار وعهدة رابعة، وكانت الغلبة للأخيرة بعد أن بلغ الخوف مُنتهاه، وبدأ الناس في تخزين المواد الغذائية مخافة ارتدادات الربيع الانتخابي.
رابعا : سلطة القرار التي سمحت للرئيس باتخاذ تدابير في ربع الساعة الأخير لمغازلة الناخبين، واستقطابهم عن طريق رفع أجور بعض الأسلاك، والإعلان عن التفكير في صندوق للنساء المطلقات، وتخفيض مدة الخدمة الوطنية و.. و.. و.. أما الحديث عن دور الشكارة التي سُخّرت لحملة الرئيس، فأظن خلافا لخصومه، بأنها لم تساهم في الترويج للرئيس، بل على العكس تمامًا، لأن وُكلاءه نجحوا بأخطائهم وسقطاتهم في الترويج لمنافسيه، بدليل أنهم كانوا يُرجمون مثلما يُرجم الشيطان يوم النحر.
محمد درقي

تعليقات الزوار
لا تعليقات