تنطلق غدا 17 أبريل/نيسان، الإنتخابات الرئاسية في الجزائر، وسط جوّ مشحون للغاية، جرّاء عمليات التخويف والتهويل التي قادتها حاشية المترشح "الشبح" عبد العزيز بوتفليقة، التي وعلى غير عادتها، انطلقت في تحذير الجزائريين من احتمال انتقال عدوى "الربيع العربي" إلى الجزائر، وأكثر من ذلك، اتهم المترشح بوتفليقة، غريمه علي بن فليس ب"الإرهاب"، في شكواه لوزير الخارجية الإسباني، خارقا بذلك كلّ الأعراف والتقاليد الديبلوماسية.
البعض لم ينتبه رُبّما، إلى أنه مُباشرة بعد شكوى بوتفليقة للوزير الإسباني، أقامت حاشية بوتفليقة الدُّنيا ولم تُقعدها، وأوعزت لوسائل الإعلام العمومية والخاصة، وبالأخص بعض قنوات الإسترزاق والنفاق "الجزائرية"، بشنّ حملة مسعورة ضدّ المترشح بن فليس، لتحميله مسؤولية ما قد يحدث بعد إعلان نتائج الإنتخابات.
كأنّنا ببوتفليقة العاجز عن الحركة وحتى الكلام، أرغمته الحاشية على إعطاء إشارة إعلان الحرب، ليس على بن فليس وكفى، بل وعلى كلّ من يُخالف الحاشية الرّأي، فكان أن مُنع الإشهار العمومي عن إحدى المؤسسات الإعلامية، وقُلّصت حصص بعضها الآخر، في وقت ضاعفت فيه وكالة النشر والإشهار التي تحتكر الإشهار العمومي، حصة المؤسسات الإعلامية التي تسير في فلك البوتفليقيين وتُسبّح بحمدهم، وهكذا تكون عصابة "البوتفليقيين" قد وجهت إنذارا صريحا لكافة وسائل الإعلام الجزائرية الخاصة، بأنها قادرة على إعدامها وقتما شاءت وكيفما شاءت، وإعلائها إلى القمة "قمة نهب المال العام بدون حسيب أو رقيب"، إن هي دَخلت زريبة وبيت الطاعة.
هذه العيّنة البسيطة من مُمارسات "البوتفليقيين"، إنما تكشف البرنامج الشيطاني لهؤلاء، والذي سيُطبّقونه حال فوز مُرشحهم بالتزوير، برنامج سيُعدم ما تبقى من بقايا حرّية التعبير، برنامج سيُكمّم أفواه الجزائريين، ويطلق العنان للمُفسدين لنهب ثروات الشعب، وهذه المرّة جهارا نهارا، لأن بعض عناصرهم نجحوا في السابق في تحويل ملايين الدولارات، أو بالأحرى ملايير الدولارات، من أمثال وزير الطاقة السابق شكيب خليل، وعمار سعيداني الأمين العام لجبهة التحرير الوطني وعمار غول وغيرهم، وبرغم هول جرائمهم، إلا أنّ العدالة الجزائرية بقيت مُقيّدة ولم تطلهم، ولن تطالهم في حال فوز البوتفليقيين بعُهدة رابعة عن طريق التزوير.
هذا إذن برنامج العصابة، التي حجرت على الرئيس المريض بوتفليقة، وأدخلته في سباق رئاسيات أبريل/نيسان 2014، وهي تكاد تكون متيقنة من الفوز بالنتيجة، ما دام أنّ غالبية المؤسسات التي ستشرف على الإقتراع، يترأسها المُوالون لبوتفليقة، أو بالأحرى خُدّامه، بدءا من المجلس الدستوري، وانتهاء بوزارتي العدل والداخلية، وبكلّ تأكيد أن البوتفليقيين قادرون على حسم النتيجة بالتزوير، لكن السؤال الذي يُطرح وبإلحاح، "هل هم قادرون على تحقيق الفوز على إرادة الشعب الجزائري؟".
برأيي أنّ موعد 17 أبريل 2014، لن يُشكل إلا نقطة الإنطلاق وليس الحسم، ففي حال فوز بوتفليقة بالتزوير، وأقول التزوير، لأنّ وكلاءَه لم ينجحوا في تنظيم تجمعاتهم الإنتخابية في العديد من الولايات التي ثار أهلها في وجههم، ولم ينجحوا في تجميع بضعة مئات منهم في عديد الولايات، إلا بشراء ذممهم بالمال الوسخ، قُلت في حال الفوز بالتزوير، سيشكل هذا الفوز نقطة الإنطلاق نحو الفتن والمجهول، وهو ما يعيه البوتفليقيون، ويعملون على تحميل مسؤوليته لغريمهم بن فليس بالأخص.
أمّا في حال فوز الإرادة الشعبية، والتي تميل بحسب مؤشرات "سلات المهملات" في مراكز الإقتراع بالخارج، والتي امتلأت بأوراق بوتفليقة ولويزة حنون بالأخص، ولم يكن لها الحظ أن تحتوي إلا وُريقات للمترشح علي بن فليس، فإنّنا سنكون أمام نقطة الإنطلاق نحو تطهير الجزائر من براثن الفساد، والمُضي بها نحو ما يُريده ويرضاه الشعب الجزائري، وبالأخص إحالة زُمر الفساد البوتفليقي إلى مزبلة التاريخ، وبالتالي ترسيخ الأسس القوية لدولة الحق والقانون، التي لن يتجرّأ في ظلها أيا كان، ولو كان رئيس الجمهورية، على تجاوز إرادة الشعب السيّد، وتطبيق ما تُمليه عليه أهواؤه.
لحدّ الآن حاولت استعراض بعض المحطات التي قد تنزل بها طائرة الإنتخابات الرئاسية الجزائرية، دُونما تفصيل في حيثيات سيناريو الهُبوط، لأنّ الجميع يعلم علم اليقين، أنّ مُخطّط الطيران هذه المرّة، إمّا أن يكون باتجاه استقرار الجزائر، أو إشعال نيران الفتنة بها، ونحن نرى اليوم وقبل البدء في الطيران، كيف أنّ جهات عدّة في الجزائر، إنتفضت في وجه من يريد مُواصلة تنفيذ المخطط للوصول إلى محطة العُهدة الرابعة، فغرداية تشتعل، ومناطق عدّة من الوطن، إنتفضت هي الأخرى وخرجت إلى الشارع، للتنديد بحماقات "البُوتفليقيين"، لكنّننا وطوال عُمر الحملة الإنتخابية، لم نشهد أية إنتفاضة ضد المترشّح علي بن فليس الذي زار كامل ولايات الجزائر.
واقع الحال يُؤكد أن "المترشح الشبح"، وبحساب بسيط للغاية، أصبح منبوذا في شرق وجنوب ووسط البلاد بالأخص، بحسب ما يتراءى في بعض وسائل الإعلام الجزائرية، لكن الذي تغافلته وسائل الإعلام هذه، هو أنّ منطقة الغرب الجزائري، وبالأخص الدوار "أي القرية" التي ينتمي إليها غالبية الطاقم الحكومي لبوتفليقة، هي من أشدّ المناطق الناقمة على عصابة البُوتفليقيين، لأنها تعيش أعلى درجات البُؤس والحرمان، ويُحملها هذا الإعلام، مسؤولية مآسي الجزائريين، لأنها مسقط رأس المسؤولين.. وأتحدّى هنا كلّ وسائل الإعلام، أكانت وطنية أو أجنبية، أن تنتقل لمغنية ومسيردة وأولاد ميمون وجبالة والسواني وباقي المناطق المحسوبة ظلما وعُدوانا على "عصابة البوتفليقيين"، لتنقل ولو مشهدا واحدا من الرفاهية.
الرفاهية "الوهم"، التي حقّقها البوتفليقيون لمناطق الغرب الجزائري، ولدواويرهم "قُراهم"، هي برأيي ما دفع أبناء دوار بوتفليقة، إلى الحضور المُكثف لتجمع المترشح علي بن فليس بولاية تلمسان، لتكذيب ما يُنسب إليهم من دعم بوتفليقة، وتسلُّطهم على الحُكم وإقصائهم لأبناء الجهات الأخرى من الوطن، وأقول هذا الكلام، لأنّني عايشت وعن قرب مآسي هذه الجهة التي قدّمت قوافل من الشهداء من أجل استقلال الجزائر.
قد يظنّ البعض أنّي أُغالي رُبّما في تحليلي هذا، وللإجابة عليهم يكفي أن أورد حكاية وزير من "أبناء الدوار"، وهو الطيب لُوح، وزير العدل حاليا، فالذي فرضه لترؤسه لقائمة حزب جبهة التحرير الوطني في تشريعيات 2002، برغم مُعارضة أبناء الدُّوار، هو السيد علي بن فليس، الذي كان يتوسم فيه الشخصية القانونية -على اعتبار أنه كان رئيسا للنقابة الوطنية للقُضاة- التي ستُسانده بقُوة في إرساء دولة الحقّ والقانون، لكنّ الذي حصل، هو أن إبن الدّوار "أي القرية" الذي تنكر لدَوَّاره ولنقابته، إنقلب على بن فليس في الإنتخابات الرئاسية لسنة 2004، وهو اليوم الذي يُشرف على اللجان القضائية لمُراقبة الإنتخابات الرئاسية، بحكم أنه هو من عينّ أفرادها، ويحضرني هنا، كيف أن الطيب لُوح قدم استقالته من حكومة بن فليس، لأن بوتفليقة غَسله في مجلس الوزراء لنُقص كفاءته في إدارة وزارة التضامن، إلا أنّ بن فليس رفض تسلّم طلب الإستقالة، ووعد الطيب لُوح بأنه سيتدخل لتهدئة الأوضاع بينه وبين بوتفليقة، وهو ما حصل فعلا، إلا أنّ الطيب لوح إنقلب عليه، في رئاسيات 2004، واختار صف بوتفليقة، ولا أظن أنه اليوم سيكفر بنعمة بوتفليقة.
ختاما أقول بأنه من العار، أن يبقى الجزائريون يتفرّجون على ما يحدث، ومن ورائهم مُؤسسات سيادية، من واجبها إحترام إرادة الشعب في التغيير، وحماية استقرار الجزائر، فبرأيي لا يكفي إعلان بعض المؤسسات حيادها، للزّج بالجزائر في الفوضى، وفيما لا يُحمد عقباه، بذريعة احترام الدّستور، فأي دستور هذا، الذي عفست وداست عليه قوى الشّر، الذي يُقيد الشعب ومُؤسساته، ويسمح بمُمارسة تزوير إرادة الشعب والسير به نحو الهاوية والمجهول، فليعلم الجميع أنّ "ما قبل رئاسيات الجزائر لن يكون ما بعدها".
زكرياء حبيبي للجزائر تايمز

تعليقات الزوار
لا تعليقات