لقد تسنّى لي الإطّلاع على ما جاء في افتتاحيّة مجلّة الجيش لأفريل 2014 فإذا بها محشوّة بالأضاليل والأراجيف والنزعة الاستعلائية على ما تبقّى من مؤسسات الدولة و على الشعب الجزائري ، ولاشكّ أنّ قواعد الجيش الوطني الشعبي ممّن سيكلّف نفسه بقراءة المجلّة سيلاحظ الهوّة السحيقة بينما ما يخطّ على صفحات مجلّة الجيش الصقيلة الجميلة الإخراج المرفّهة ماليا النّاعمة الملمس وبين واقع السواد الأعظم من قواعد الجيش الوطني الشعبي لاسيما المبعثرين على حدود دول الجوار الملتهبة ؛ هذا القارئ يخلص إلى نتيجة مفادها أنّ القيادة في واد وقاعدة الجيش في واد آخر ، ومن أهمّ الملاحظات على ما جاء في الافتتاحية ذات النزعة الاستعلائية والخطاب القديم البالي المشعر بالوصاية على الشعب واحتكار الوطنية يمكن إجمالها فيما يلي:
1- لا وجه للمقارنة بين خصال وأخلاق وقيم جيش التحرير وبين قيادة تشترى بالمال متورّطة في جرائم ضدّ أبناء الشعب الجزائري. فشتّان بين الثرى و الثريّا وقيادة تلبس لباس زور وتدّعي وصلا بالشهداء الأبرار و المجاهدين الأخيار.
2- إن قيادة تتبجّح بمكافحة الإرهاب وترضى أن تكون يدا ضاربة لمصالح دول الاستكبار العالمي هي قيادة سفيهة لم تشمّ رائحة الوطنية ولكنّها العمالة وتقديم عربون الولاء للخارج ولو كانت سليلة جيش التحرير لما سمحت باختراق واستباحة الأجواء الجزائريّة لضرب أبناء الشعب المالي ولما رضيت أن تكون عميلة لأجهزة الاستخبارات الدولية باسم مكافحة الإرهاب.
3- لا وجه للمقارنة بين أشبال لثورة وأشبال الأمة التي يراد وراء تأسيسها وانتقاء أفرادها بمعايير خاصّة لتكون امتدادا للبوتفليقية فهي أقرب منها إلى الجيش الملكي من الجيش الشعبي الوطني.
4- الزّعم بأنّ مؤسسة الجيش مؤسسة دستورية تحافظ على أمن البلاد والعباد يعتبر زعما باطلا من النّاحية الواقعية الميدانية فالشّعب الجزائري ما زال يذكر خروج هذه المؤسسة عن أطرها الدّستورية سنة 1992 وحل وتحطيم سائر مؤسسات الدولة.
5- إنّ مفهوم الأمن و الاستقرار في ظلّ القيادة العسكريّة الحاليّة يراد به استقرار وأمن خمّ الدجاج لا أمن شعب حرّ أبي يتطلّع إلى خلع ثوب الوصاية باسم المؤسسة العسكرية.
6- وأسفه ما في هذه الافتتاحيّة و أقبح ما جاء فيها وأتفه ما خطّه قلم هذه الفقرة " إنّ الجيش الوطني الشعبي مدرك تمام الإدراك أنّ معركته ضدّ الإرهاب هي امتداد لمعركة سليل جيش التحرير الوطني ضد قوى الاستعمار والظلم و الطغيان ، مّا يدفعه إلى حسمها بكلّ عزم وثبات ليخلّص الوطن و الشعب من آفّة عطّلت التطوّر وأعاقت مسيرة التنمية الوطنية" لما فيها من التسوية بين الاستعمار الغاشم وبين من اضطرّ إلى حمل السلاح دفاعا عن اختيار الشعب الذي اغتصب بالحديد والنّار أو دفاعا عن النّفس والعرض والشرف وفيهم مجاهدون أصلاء وقادة جيش التحرير الوطني وأبناء شهداء ، ولو لم تخرج قيادة المؤسسة العسكرية في ذلك الوقت عن مهامّها الدستورية لما حدث الذي حدث ولكنّه الشيطان الذي يعد ويأمر بالمنكر وينهى عن المعروف ويقلّب الأمور رأسا على عقب ، وصدق الله العظيم إذ يقول " وقلّبوا لك الأمور " فأصبح الجلّاد ضحيّة و الضحيّة جلادا ، وتلك عادة الطغاة ، فهل من الإنصاف و العقل عقد مشابهة بين استعمار غاشم وبين مقاومة الظّلم ؟ !
7- إنّ الآفة التي عطّلت الوطن و التنمية فيه مردّها إلى من اغتصب خيار الشعب وفتح المحتشدات لخيرة أبناء الجزائر وأقام المحاكم الخاصّة ومارس القتل والإعدام خارج إطار القانون لا من دافع على حقّه وردّ الحجر من حيث أتى.
8- أمّا مقولة الافتتاحية " نجد أصوات تتعالى انطلاقا من مصالح ضيّقة وحسابات شخصية تطالب الجيش عالنا بالإخلال بالدّستور والقانون ، ليتسنّى لها تمرير المؤامرات المعادية للجزائر أرضا وشعبا " فبأي ميزان يستنكر قادة المؤسسة العسكرية الحالية تلك الأصوات التي تدعو إلى التدخّل في الشأن السياسي وقائد أركانها وقائد استعلاماتها ممّن لبّى أصواتا مثلها في 92 ما تسبّب في أزمة سياسية وأمنية لم تحلّ إلى يوم النّاس هذا حلاّ سياسيا عادلا " مالكم كيف تحكمون " " تحلّونه عاما وتحرّمونه عاما "، وربّما تلك الأصوات المتعالية تقول للقيادة العسكرية الحاليّة افعلوا مثلما فعلتم في 92.
ممّا لا شكّ فيه أنّ هذه الافتتاحية المضللة والتي جاءت أثناء الصمت الانتخابي وفي مثل هذا التوقيت تدلّ دلالة قاطعة على انحياز قائد الأركان لأنصار العهدة الرابعة ، وكان الواجب على قادة المؤسسة العسكرية إصدار بيان باسم وزارة الدّفاع تخاطب فيه سائر المرشّحين بما في ذلك بوتفليقة بأنّ المؤسسة العسكرية على مسافة واحدة بين جميع المترشّحين لرآسة الجمهورية ولا تنحاز لطرف دون آخر لاسيما بعد أن أشيع في العامّ والخاص أنّه قد تمّت صفقة توافقية بين رئاسة الجمهورية وقادة المؤسسة العسكرية على السماح له بالترشّح بعد صراع مرير في الدهاليز المظلمة ظهرت آثاره على صفحات الجرائد ، ولو صدر مثل هذا البيان قبل قبول ترشّح الرئيس المريض القعيد المغلوب على أمره لما تسنّى لمدير حملة الرجل المريض " سلال" إلى أن يهدد المرشّحين و الشعب الجزائري بالجيش والشرطة والدرك أو بضربة تعدل ضربة تيقنتورين بـمائة مرّة ، فباسم من يتحدّث هذا الأخرق وهل يظنّ أنّ قواعد الأجهزة الأمنية المختلفة يسهل توريطها هذه المرّة كما في 92 .
والحاصل أنّه لو ذهبنا نحصي المآخذ على هذه الافتتاحية لاحتجنا إلى مجلّد قائم بذاته ولكن يكفينا أنّ قواعد المؤسسة العسكرية من أبناء الشعب الجزائري لا ترضى بما جاء في هذه الافتتاحية ، ولولا الانضباط العسكري لنددت بما جاء في هذه الافتتاحيّة الموغلة في التضليل فالجيش و الأجهزة الأمنية المختلفة هي ملك للشعب ودرع دفاع عن مصالحه وليس درعا لقادة يختفون من ورائه دفاعا عن مصالح داخلية وخارجية لا ناقة للشعب فيها ولا جمل وليس عصا تحرّكها الأمزجة و الأهواء والشهوات.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
نائب رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ
أبو عبد الفتّاح علي بن حاج

تعليقات الزوار
لا تعليقات