أخبار عاجلة

التشرميل: عن السياسة الأمنية والأمن القومي المغربي

على مواقع التواصل الاجتماعي ظهرت مجموعة من الشباب المغربي تتباهى بأسلحة بيضاء وما اغتنمته من السطو المسلح من مسروقات. ظاهرة انتشرت وتناسلت ولن نقف عندها إلا من خلال صورتها الأمنية الإجمالية. تلك الظاهرة التي تنبهت لها الدولة على أعلى المستويات كان يمكن أن تتطور إلى ثقافة تكرس العنف وتهدد الأمن القومي الوطني وتؤثر على سلامة المغاربة، إذ أن الشعور بعدم الأمن يكون مقدمة لسلوكيات تغيب عنها المسؤولية.

ظاهرة أطلق عليها مخترعوها "التشرميل" وهو اصطلاح خارج من المطبخ المغربي يعني تقطيع اللحم أو السمك وتتبيله، بمعنى أن هؤلاء المشرملين يُتَبِّلونَ سلوكهم بنوع اللباس الرياضي وتسريحة الشعر ودرّاجات "سوينغ" والحذاء والساعة غالية الثمن ولا يترددون في إظهار إدمانهم على المخدرات والشذوذ، والتباهي هو العنوان البارز للمشرملين خصوصا أمام الفتيات ومن هنا تبدأ رحلة العنف والإجرام.

عندما استشعرت الدولة خطورة هذه الظاهرة الاجرامية تجندت بكافة مؤسساتها الأمنية بعدما صدر أمر من الملك محمد السادس لمواجهة "التشرميل"، وحث وزارة الداخلية ومختلف الأجهزة الأمنية على التصدي لها من اجل استتباب الأمن وسلامة المواطن.

تكريس الاستهتار بأهمية الأمن الوطني من هذه الفئة وغيرها يمكن أن يؤثر على سلامة المغاربة وطمأنينتهم واستقرارهم، حيث انه من الناحية النفسية يمكن للشعور بعدم الأمن أن يكون مقدمة لسلوكيات تغيب عنها ضوابط التفكير السليم. فالمغرب اعتمد سياسة القرب في ضبط المجال الأمني واعتبر أن الحق في الأمن من الحقوق الملزمة للدولة، خصوصا وأن المجتمع أضحى معنيا بهذا الحق مما جعل المؤسسة الأمنية تعمل على تكريس سياسة التطويق والتدخل الاستباقي للوقوف ضد العنف.

بالعودة إلى ظاهرة "التشرميل" نجد أن لها تشعبات اجتماعية وثقافية واقتصادية لها تداعيات على الأمن القومي الوطني وضحيتها هم أشخاص يعانون أوضاعا اجتماعية غير سوية. فالقضية هنا بالأساس أمنية إذا أخدناها في شموليتها باعتبار أن السياسة الأمنية بالمغرب ربطت الحق في الأمن بخدمة مصالح المواطنين واحترام حقوقهم وتفعيلها بالاستفادة من الحق في الشغل والصحة والتعليم الجيد والسكن اللائق.لهذا فالسياسة الأمنية بالمغرب أولت الأهمية القصوى للفئات الضعيفة والمهمشة والعناية باحتياجاتها في السكن والمرافق الاجتماعية والاقتصادية، فكانت مجمعات السكن الاقتصادي طريقة مثلى لمحاربة دور الصفيح الحاضنة لظواهر وحالات تهدد الأمن العام خصوصا بالدار البيضاء.

وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت مكنمار يعتبر الأمن القومي "هو التطور والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في ظل حماية مضمونة، وهو نابع من معرفة الدولة العميقة لمصادر التهديد لمختلف قدراتها وإمكانية مواجهتها لإعطاء فرصة حقيقية لتنمية حقيقية". واعتمادا عليه ينطلق الأمن القومي المغربي من المجتمع ليعود إليه ويتحقق بالتنبه إلى احتياجات الناس في التنمية بكل أبعادها والعمل على تحقيقها بكافة التراب الوطني ونلمس هذا في مختلف المشاريع التنموية التي تهم الساكنة وتحقق الحد من الحرمان والهشاشة بكل أشكالها الاجتماعية والاقتصادية والصحية والتعليمية تتعزز قدرة الدولة على ردع أية مخاطر تهدد أمنها وسلامة مواطنيها.

إن حقيقة الأمن بصفة عامة متغيرة ونسبية لاعتبارات الزمان والمكان والظروف الداخلية والخارجية وقد انخرط المغرب في حرب عالمية على الإرهاب وكل ما له صلة بالعنف المهدد للأمن القومي، لهذا فمحاربة ظاهرة العنف والسطو المسلح جعل الحاجة ماسة إلى التنسيق والتعاون بين المتدخلين الأمنيين في تحقيق أهداف السياسة الأمنية استباقا للعمل المهدد والوقاية منه.

للأهمية التي توليها الدولة للاستقرار وطمأنينة الساكنة كان بلاغ وزارة الداخلية عقب أوامر العاهل المغربي محمد السادس لمواجهة ظاهرة التشرميل، يؤكد على أن "الإدارة الترابية والمصالح الأمنية مطالبة بتطوير أساليب عملها وتقوية التنسيق وتبادل المعلومات فيما بينها، لضمان نجاعة السياسة الأمنية، وتعزيز الثقة والشعور بالأمن لدى عموم المواطنين".

آلية التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية عامل فاعل في تطوير السياسة الأمنية المرتبطة بالأمن القومي حيث أن الجريمة والعنف والإرهاب تكون لها امتدادات من الداخل اتجاه الخارج والعكس الشيء الذي جعل السلطات الأمنية تعمل دائما على تحديث آليات الاشتغال على مستوى الرصد والمراقبة وكانت النتيجة الحد من التهديدات التي تمس امن المواطن خصوصا عندما تكون تلك التهديدات تكون في بنيتها متنقلة عبر الحدود من هجرة وأسلحة وعناصر تحمل فكرا استئصاليا قتاليا.

المغرب يعمل جاهدا في تعزيز الاستقرار على واجهتي الأمن والإقتصاد وبناء عليه يركز في تصميم سياسته الأمنية بتحديد التهديد وتأطير الأهداف المتوخاة وكنتيجة تكون حماية أمن المجتمع خطوة متوازية مع النهوض الاقتصادي، فأية ظاهرة تهدد أمن المجتمع بدرجة أو بأخرى تكون مرتبطة في عمقها بمدى تماسك ورفاهية العائلة كنواة المجتمع. فكل ظاهرة مشاكسة وعنيفة هي ابنة شرعية للسلبيات والمخلفات السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي لم تحسم لصالح فئات المجتمع الضعيفة.

كأمثلة على المجهودات التي يبذلها المغرب في تعزيز الاستقرار والسلم الاجتماعي هناك المشروعات الاقتصادية والاستثمارية والاجتماعية والسياحية التي دشنها ويتابعها الملك محمد السادس سواء في المدن الكبرى كطنجة والدار البيضاء بالخصوص التي أصبحت تعرف تناميا لافتا لظاهرة "التشرميل" وكانت هدفا لعمليات إرهابية عام 2003، من هذه الزاوية تكون الحرب على الجريمة بكل أشكالها المنظمة وغير المنظمة بمحاربة حرمان المجتمع بكل تنويعاته الاجتماعية والاقتصادية والصحية والتعليمية.

آلية الحرب على الجريمة التي من الممكن أن تتطور إلى أشكال تهدد أمن وسلامة المجتمع والدولة، تعتمد على توفر المعلومة ودقتها فتحديات الأمن القومي المغربي تتقاطع في تحقيقه عوامل خارجية وظروف داخلية حيث أن الحفاظ عليه رهين بتنسيق جهود كل الجهات الأمنية داخل الدولة وكل المؤسسات وهيئات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية التي أصبحت معنية بتحقيقه في أوسع نطاقاته خصوصا وأن الاستقرار مرتبط بدرجة الاطمئنان على النفس والمال والمآل.

من سيناء المصرية إلى ليبيا مرورا بالسودان ودول الساحل والصحراء ونزولا إلى جنوب الجزائر تتراءى لنا صورة قاتمة يغلب عليها غياب الأمن وعدم الاستقرار وتنامي تهديدات القاعدة وأخواتها والمستفيدين من ضرباتها، إنها حالة أنهكت أصحاب القرار المحلي والدولي لكونها مرتبطة بالبيئة الحاضنة للإرهاب العالمي.

وقد استطاع المغرب في هذه المنطقة الهائجة أن يؤسس قاعدة بيانات متينة ومتنوعة في التعامل مع هذه التهديدات للأمن القومي في ارتباطاته جغرافيا واجتماعيا وسياسيا وتداخله بالاقتصاد والتنمية والثقافة، اذ لا يمكن فصل الكل عن الجزء في هذه المعادلة الأمنية المتكاملة.و وعي المسؤولين المغاربة بأن تحقيقه رهين بالتعامل الحازم والحكيم مع تلك العوامل المترابطة والمتداخلة.

 

 

محمد بن امحمد العلوي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات