مساء يوم الأربعاء 9 أبريل/نيسان 2014، وأثناء تتبّعي للتلفزيون الجزائري الرسمي الذي استضاف المترشح الحُرّ السيد علي بن فليس، عادت بي الذاكرة إلى محطات مُشرقة وجدّ مشرّفة في تاريخ الإعلام الجزائري، في عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، الذي تحامل عليه الرئيس بوتفليقة في بداية عهدته الرئاسية الأولى، وكالَ له الشتائم، واتهمه ب"الجهل"، فخلال عهد الإنفتاح الإعلامي الذي دشنه الراحل الشاذلي بن جديد، كان أشقاؤنا في المغرب، يُهرّبون أشرطة برنامج "في لقاء الصحافة"، إلى المغرب، حتى يرى الأشقاء، ما وصلت إليه الجزائر من تقدم كبير في حرية التعبير، وفي العُهدة الرئاسية الأولى لبوتفليقة وصف الإعلاميين ب"طيابات الحمام" أي «المشتغلين على التدليك»، ولم يُنظم طيلة 15 سنة من الحكم مؤتمرا صحفيا مع الصحافة الجزائرية، وبعكس الراحل الشاذلي بن جديد، ولكون بوتفليقة يُعتبر من كبار "مهندسي المُؤامرات" سواء إبان الثورة التحريرية، أو بعد الإستقلال، نجح الأخير في تمييع الإعلام الجزائري، وتسفيهه، وتدجينه داخل زريبة السّلطة، حيث تمكّن من تحويل المتطفلين على الحقل الإعلامي من جماعات المال والفكر الوسخ، إلى أسياد وأباطرة للإعلام الجزائري.
فخلال أمسية يوم الأربعاء السالف الذكر، تجلت وبوضوح، معالم الجريمة التي إرتكبها بوتفليقة في حقّ الإعلام الجزائري، فغالبية المتتبعين للحصة التي استضاف فيها التلفزيون الجزائري، المترشح الحرّ للإنتخابات الرئاسية السيد علي بن فليس، تساءلوا عن المعايير المهنية التي إرتكز عليها التلفزيون الرسمي، لدعوة أربعة صحفيين لمُناقشة هذا المترشح، خاصة وأنّ إحدى "الصحفيات"، التي تشتغل بقناة "النهار الجزائرية"، كانت بنظر المشاهدين أقرب إلى "اللاشيء"، وجيء بها لاستفزاز المترشح بن فليس وبغباء فاق كلّ الحدود، ونجح المترشح علي بن فليس في تعريتها وتعرية مُشغليها.
عرّجت على هذه الحادثة، لأخلص إلى القول، أن المترشح "الشبح" بوتفليقة، نجح وبمكيافيليته، في تشويه الإعلام الجزائري، وتدجينه، وبخاصة منه الإعلام العُمومي، الذي بات يسير ك"الدّابة" أو "كالحمار يحمل أسفارا"، فلا يتحرّك إلا بالوخز والضرب، وما ينطبق على الإعلام، ينسحب على عديد مؤسسات الدولة الجزائرية التي برع بوتفليقة في تأسيسها، فالبرلمان الذي يُمثّل إرادة الشعب الجزائري، فتح بوتفليقة أبوابه لعاملات النظافة والطّبّالين، وحتى تُجار المخدّرات، أمّا الحكومة، التي تُمثّل السّلطة التنفيذية، فيكفي لأُعرّف القارئ على طبيعتها، أن أستشهد بما أجاب به المرحوم بشير بومعزة رئيس مجلس الأمة الجزائري آنذاك لأحد أعضاء المجلس، الذي زاره في بيته للإطمئنان عليه بعد إصابته بوعكة صحية، عندما سأله عن سرّ مرضه، بأنه "كيف لا أمرض ويضعف قلبي، والحكومة تضمّ 14 وزيرا شاذا"، "حاشاكم"، وهم "رجال الدولة" الذي وعد الرئيس بوتفليقة باستقدامهم.
ولو عرّجنا على السلطة القضائية، فإنّ بوتفليقة حوّل القضاة إلى موظفين عند الجهاز التنفيذي، وسلب القضاء استقلاليته، ونجح في ترسيخ ثقافة "عدالة الليل".
هذه المؤشرات وبدون الخوض في التدقيق فيها، إنّما تعكس حقيقة واحدة، وهي أنّ بوتفليقة نجح بالفعل في الانحدار بالبلاد إلى أدنى المستويات، لأنه إنطلق في تنفيذ مشروعه من رُوح إنتقامية، تجَذّرت فيه، بعد إزاحته من الحكم، بعد وفاة الرئيس الراحل، هواري بومدين، ووجد ضالته بعد دعوة بعض قادة الجيش له، وليس الشعب الجزائري، ليكون مرشّح الإجماع، سنة 1999، فانقضّ على الفرصة، وجمع من حولِه، مجموعة من "المسؤولين"، لا يُثير انتباههم، إلا رنين المال، من أمثال شكيب خليل، وغُول ..وغيرهم، فكان أن ملأُوا خزائنهم من خزينة الدولة، وراحوا ينعتون الشعب الجزائري ب"الفقاقير" عوض "الفقراء"، لأنهم لا يعرفون أي معنى للفقر الذي يلسع الجزائريين.
وهنا أعود مرّة أخرى لمُصطلح "طيّابات الحمّام"، الذي أطلقه بوتفليقة على الصحفيين الجزائريين، لأقول أن "المرء إبن بيئته"، فهو لا يستعمل إلا المصطلحات التي عايش مظاهرها حسّيا، بمعنى آخر أن إستعمال لفظة "طيابة الحمام" أي "المُدلّكة"، لن نجد من مُستعمِل له بكثرة، إلا من عايش الحمّامات أو عاش فيها.
لم أكن أودّ على الإطلاق أن أتناول مثل هذه الجوانب الحساسة وغيرها، لولا أنّنا أصبحنا اليوم، وبخاصة في "الحملة الإنتخابية لرئاسيات 17 أبريل 2014"، نُجبَر على مُعايشة الرّداءة والإنحطاط، فهل يُعقل أن يتصوّر عاقل، أنّ من أمر التلفزيون الرسمي الجزائري، بإقحام "إنسانة" لبّسوها ثوب الصحافة، لمُمارسة طُقوس الوقاحة بحقّ مُترشح للرئاسيات، أن يكون هذا الآمر هو من سيُصلح البلاد بعدما أفسدها ونكّل بها؟
ضرّني كما ضرّ العديد من الجزائريين، ما تابعوه من وقاحة غير مسبوقة كان التلفزيون الرسمي الجزائري مسرحا لها، بل وراعيا لها، لكنّني بالمُقابل أحسست براحة كبيرة للغاية، لأنّ مُخرجي هذا السيناريو، وبغبائهم ورداءة فكرهم، قدّموا صورة واضحة عمّا يعتزم وكلاء بوتفليقة تنفيذه بعد موعد 17 أبريل/ نيسان، في حال فوز مرشحهم الشبح، فالغالبية تُجمع على أنّ وكلاء بوتفليقة، سيُجهِزُون بكلّ تأكيد على بقايا حرية التعبير والديموقراطية، ما دام أنّ مُديرهم في الحملة، عبد المالك سلال، قالها بصراحة: "لِمَ لا نُنَصِّب بوتفليقة ملكا"، وقبلها قال: "إنّ بوتفليقة تزوّج مع الجزائر".
بصراحة إنّ الجزائر مع وُكلاء بوتفليقة، باتت على شفى حُفرة من النار، لأنّ هؤلاء وفي حساباتهم، لا يستبعدون حرقها في حال فوز مُرشح آخر غير بوتفليقة، وهم يملكون المال الوسخ لشراء ذمّة المُرتزقة، لكنّ الذي لا يملكونه برأيي، هو إيمان غالبية الجزائريين بالتغيير السّلمي، وترسيخ دولة الحقّ والقانون، لأنّ من يعرف الجزائريين، يعي جيّدا أن هُدوءهم الحالي ليس إستسلاما للأمر الواقع، بل بالعكس من ذلك، هم يُوجدون المخارج الآمنة لبوتفليقة ووكلائه للإنسحاب بدون ضجيج، رغم نهبهم لعشرات الملايير من الدولارات، فالجزائريون، وفي سبيل ضمان أمن واستقرار بلادهم، يتعففون عن مُحاسبة من سرق، ويتركون حسابه للتاريخ.
وهنا أستحضر ما قاله المُجاهد والقائد الثوري، رئيس المجلس الأعلى للدولة السابق، المرحوم علي كافي قبل وفاته، في شريط الفيديو الذي بثته قناة الخبر الجزائرية، يوم الأربعاء 9 أبريل، والذي هاجم فيه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بشدة، ووصفه بـ"اللص والسارق والفاسد"، وقال بشكل صريح إنه لا يحق لبوتفليقة قانونا وأخلاقيا أن يطلب لنفسه عهدة رابعة "لأن ذلك من سمات الدكتاتور". وقال أيضا "إن الجزائريين ينبغي أن يرفضوا ترشح بوتفليقة لعهدة رابعة".
من يعرف الوزن التاريخي والثوري للمجاهد علي كافي، يعلم علم اليقين، أنّ الرجل رحمه الله، ما كان ليُسجّل موقفه هذا سنة 2012، لولا أنه شعر بهول ما ينتظر الجزائر والجزائريين في حال إغتصاب وكلاء بوتفليقة لعُهدة رئاسية رابعة، وقد قالها في الشريط بشكل واضح، مُخاطبا بوتفليقة: "أنت تحكم بإسم من؟.. بإسم الشعب؟ الشعب يرفضك يا بوتفليقة، وأنا أرفضك.. لقد رفضتك منذ البداية".. كلام صريح وخطير كهذا، يصدر من رجل ثوري، تولى مسؤولية إدارة الجزائر في أحلك الأوقات، وعايش وحارب الإرهاب الأعمى الذي قتّل عشرات الآلاف من الجزائريين، في وقت كان فيه بوتفليقة ينعم بالراحة والإستجمام بأوروبا ودول الخليج، يتوجّب أخذه محمل الجّد، خاصة وأنّ المجاهد المرحوم علي كافي، رفض كلّ العُروض والوساطات بما فيها وساطات بعض قادة الجيش، التي كان هدفها آنذاك، تمكين الرئيس الحالي بوتفليقة، ليكون ممثلا للجزائر في الأمم المتحدة، لما كان علي كافي على رأس المجلس الأعلى للدولة ما بين 1992 و1994.
دونما الخوض في متاهة "طيابات الحمّام"، ومُؤلفها ومُخرجها، أقول أنه بات من الضروري والإلزامي، على كلّ الجزائريين، أن ينتبهوا إلى أن المرحلة القادمة محفوفة بكلّ المخاطر، وأنه لن ينفع وكلاء بوتفليقة تزوير نتائج الإنتخابات، لأنّ ذلك سيَسُدّ عليهم مخارج النجدة، وسيُشكل بكلّ تأكيد إعلان إنطلاق المُواجهة الحاسمة، التي بدأت إرهاصاتها تتجلى في ولايات عديدة مثل بجاية، تيزي وزو وغرداية وورقلة، والتي يسعى أحرار الجزائر لتجنب تحوّلها إلى ما عاشته عديد بلدان "الربيع العربي"، فالجزائريون اليوم، يعُون أكثر من غيرهم، أنه من الضروري أن نترك منافذ للسُّراق ليهربوا منها، عوض تعريض أمن البلاد ككل للخطر، لكن في حال ما أصر هؤلاء على البقاء بعد 17 أبريل، فغضب الجزائريين لن يحرق إلا هم وأموالهم الوسخة، فالجزائر هي عنوان عالمي للثورة على الظلم، لا على البلاد وأهلها.
الجزائر تايمز زكرياء حبيبي

تعليقات الزوار
لا تعليقات