بدا اليوم محدثي أكثر وثوقا من نفسه حين علم بأننا سنتحدث في السياسة الخارجية لجزائر ( العزة و الكرامة ) و قال لي : بغض النظر عما ذكرته فيما يخص تقيي...مك للبرنامج الاقتصادي لفخامة الرئيس أعزه الله . فإنني لا أعتقد بأن لديك ما تنتقد به كفاءة فخامته العالية في إعادة الجزائر للمحافل الدولية و تسيير الشؤون الخارجية للبلاد ؟
فقلت له : إن البريق الذي عرفته الدبلوماسية الجزائرية في السبعينات لا يعود بالأساس إلى كفاءة أو مهارة أو حذاقة القائمين عليها . بل يعود أساسا إلى السمعة الطيبة و الزخم الخرافي الذي عرفت به الثورة الجزائرية لدى شعوب العالم , و كذلك المناخ السياسي الذي كان يطبع المجتمع الدولي آنذاك من تجاذب إيديولوجي بين الشرق الاشتراكي و الغرب الرأسمالي , و بروز تكتلات سياسية و اقتصادية في الشمال النامي و الجنوب المتخلف السائر في طريق النمو .
و الدليل على هذا أنه حتى بعد خروج بوتفليقة من وزارة الخارجية بعد وفاة هواري بومدين ظل الزخم الدبلوماسي للجزائر بنفس الحدة بل ازدادت وتيرته و حققت الجزائر في عهد المرحوم محمد الصديق بن يحيى و الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي ما لم تحققه في عهد بوتفليقة في الستينات و السبعينات.
عند وصول بوتفليقة للسلطة وجد الجزائر تعيش في عزلة دولية نتيجة السمعة السيئة التي يتمتع بها النظام الشمولي في الجزائري , و التي ختمها بجريمة الانقلاب على إرادة الشعب و ما ترتب عن هذا من أعمال عنف قل نظيرها في العصر الحديث , و زاد الطين بله شح الموارد المالية نتيجة انخفاض أسعار البترول .
حاول بوتفليقة إيجاد منافذ لإعادة الجزائر إلى المحافل الدولية , فجرب عملية التوسط لأنهاء الصراع الحدودي بين أثيوبيا و إريتريا , و لم ينجح لأن المجتمع الدولي كان يستغرب باستهزاء من رجل تعيش بلاده في حرب أهلية و لا يفعل الكثير , و يتوسط لإنهاء صراعات الآخرين !!!
حاول إيجاد منفذ آخر عن طريق البحث عن دور في حل القضية الفلسطينية و أضطر لمصافحة رئيس الوزراء الصهيوني أيهود باراك بحرارة ليؤكد له أنه بإمكان الجزائر أن تلعب نفس الدور الذي كانت تقوم به كل من مصر و الأردن ( قواد ) , لكنه فشل و أصطدم برفض جميع الأطراف للفكرة متحججين بأن الجزائر ليست من دول الطوق .
حاول إيجاد منفذ عن طريق فرنسا حيث شرع في التودد إليها و بلغت به الجرأة حد ضم الجزائر إلى منظمة الدول الفرانكفونية و داس بذلك على الجرح الذي يؤلم كثيرا الشعب الجزائري , لكن هذا التنازل المذل لم يأت بنتيجة .
كل هذه المحاولات أتسمت بالسذاجة و الارتجالية و غموض الرؤية و لم تكن هدفها الأساسي خدمة المصالح الاقتصادية للجزائر بقدر ما هي حركات لجذب الانتباه ليس إلا. لأن أي نشاط دبلوماسي يهدف بالدرجة الأولى لتحقيق مصالح اقتصادية و فشل بوتفليقة في إقناع الاستثمارات الأجنبية لأنه فشل في سياسته الداخلية التي من المفروض أن تكون داعمة للتحركات الخارجية .
و في الأخير ختمها بوتفليقة بنكسة حقيقية تشهدها الدبلوماسية الجزائرية من خلال تعاطيه الغريب مع الثورة العربية حيث راهن على أنظمة متهالكة و أيدها سرا و علانية و خسر الرهان و أساء لسمعة الثورة الجزائرية و للمكانة الخاصة التي كانت تحتلها الجزائر في قلوب الشعوب العربية , و حولنا إلى دولة منبوذة إقليميا و عربيا .
ثم قلت لمحدثي : دبلوماسية البوس و الأخذ بالأحضان لا تجدي نفعا و لا تشبع بطنا فالعبرة بالنتائج الاقتصادية فهي الوحيدة القادرة على تحديد إن كان النشاط الدبلوماسي فعالا و مجديا أم لا.
مراد أبو عبادة

تعليقات الزوار
لا تعليقات