ما يحصل في غرداية ليس له علاقة بالآني و الظرفي من مشاكل وتحديات فقط كالبطالة و العقار و النظرة إلى مؤسسات الدولة الوطنية الحديثة ،بل بالتاريخ كذلك وكيف يتدخل هذا التاريخ كتجربة جماعية بعيدة أو قريبة في تلوين ومنح تفاسير مختلفة لهذا الواقع المعاش،في ظرف يتميز بالتشنج المتولد عما سماه احد الباحثين الغربيين بـ"استفزاز العمق الانثربولوجي للمجتمع " الذي يحصل عادة في أوقات ا...لتغيير السريع الذي تتعرض له المجتمعات كما هو حاصل في الجزائر هذه السنوات الأخيرة . "استفزاز " يتم لقواعد العيش المشترك والقناعات الجماعية التي سادت حتى الآن وهو ما يؤكد مرة أخرى عمق الأزمة التي تعيشها الولاية. وقابليتها للتكرار كما توحي ذلك الكثير من المؤشرات.
لتوضيح هذه الفكرة سنأخذ بعض الأمثلة كأزمة العقار و علاقتها بالنظرة إلى التاريخ المشترك بكل ما تحمله من شحنة نفسية جماعية، فعند الكلام عن أزمة العقار في هذه المنطقة الصحراوية الصخرية فالأكيد أن أبناء المذهب الإباضي يعودون إلى تاريخهم القديم حين تم القضاء على الدولة الرستمية وهروب أتباعها إلى هذه المنطقة القاحلة التي يجدون أنفسهم فيها مرة أخرى "مزاحمين " فيها من قبل محيط مختلف على أكثر من صعيد ، مذهبيا ولغويا و اجتماعيا .يريد هو الآخر أن يستقر ويدخل المدينة كحق من حقوق المواطنة التي تبنتها الدولة الوطنية الحديثة التي تدخلت بقوة لتغيير الخارطة العقارية تحت مسميات كثيرة وفي مراحل مختلفة ...الثورة الزراعية ..سياسة السكن والتصنيع .
غرداية منازل الميزابيين ببوهراوة تحرق وتهدم
فقد تحولت المدينة إذن إلى مكان للصراع المتعدد الأشكال بين هذا التاجر المزابي الذي عرف كيف يروض هذه الصحراء القاحلة ويبني فيها عمران يعكس حضارته وتنظيمه الاجتماعي الذي حافظ عليه منذ قرون .وبين هذا "البدوي " الذي يرى أنه من حقه أن يدخل المدينة يسكن ويشتغل ويعيش فيها لدرجة تحول إلى أغلبية عددية، بل ويترأس بلديتها ويسير مرافقها الرسمية في غياب العنصر الاباضي الذي فضل كإستراتيجية العمل الاقتصادي الحر والابتعاد عن مؤسسات الدولة التي بدأ يشك انها " تشتغل " ضده خاصة في أوقات الأزمة كما حدث في المدة الأخيرة.
التاريخ والنظرة له و استدعائه بهذا الشكل الكثيف في أوقات الأزمة على شكل مواقف مبطنه لا تعلن عن نفسها دائما ،لكنها حاضرة وتفسر الكثير من المواقف الفردية والجماعية ، لا يقتصر على مرحلة الدولة الرستمية البعيدة ولا قبلها عندما انزوى أبناء هذا المذهب الديني بعيدا في مناطق قاحلة وهامشية من بطش الدولة الإسلامية السنية ومراكزها العمرانية الكبيرة .
بل يتعلق الأمر كذلك بالتاريخ القريب المرتبط بمرحلة الاستعمار والحركة الوطنية وحتى ثورة التحرير .فالتاريخ حاضر وبقوة لدى شباب "القبائل العربية البدوية " عندما يشتبكون مع جيرانهم من الاباضية وهم يعلنون بافتخار أن أبائهم قد شاركوا في الحركة الوطنية وثورة التحرير وقبلها في محاربة الاستعمار الفرنسي على عكس ما يروج من " ضعف مشاركة " لدى الطرف الآخر الذي كان يملك وضعا خاصا أثناء الفترة الاستعمارية جعلته لا يتأثر كثيرا من آثار الاستعمار فتعلم أبنائه واستفادوا من توسيع تجارتهم في حالة اضطراب سياسي وحرب .نظرة إلى الآخر نجدها كذلك حاضرة عندما نحاول الغوص في المستويات الاجتماعية والاقتصادية وحتى أساليب التنشئة الاجتماعية والثقافية المختلفة بين هذا الوسط الاباضي الحضري ومحيطه العربي البدوي .وهو ما يمكن أن نعود إليه بالتفصيل في مواضيع أخرى.
إذا اكتفينا بهذا البعد التاريخي يجب أن نقول بالطبع أنه لا يشترط في التاريخ أن يكون دقيقا وصادقا ، يعكس الحقيقة كل مرة ويتبناها ،خاصة وهو في حالة استدعاء لأداء مهام آنية ،في حالة تشنج اجتماعي قصوى. فليس من الدقة التاريخية القول مثلا أن الشعانبي كان دائما ضد الاستعمار في كل مراحل الظاهرة الاستعمارية وأن الاباضي كان مهادنا للحالة الاستعمارية في كل الحالات كالكثير من الأوسط الاجتماعية و الجهات في الجزائر .لكن الوقائع التاريخية شيء واستعمال التاريخ في حالات التشنج و"استفزاز العمق الانثربولوجي" شيء أخر مختلف تماما .فالتاريخ في هذه الحالة الأخيرة يستدعى كأداة حرب وعدوان مثله مثل أي آلة حادة كتلك التي يستعملها الشباب في معاركهم في أزقة غرداية وحاراتها للقتل و الحرق .
ناصر جابي

تعليقات الزوار
لا تعليقات