يروي رئيس الوزراء الليبي المؤقت علي زيدان لكل من يستفسر منه عن أسباب عدم اتخاذ زمام المبادرة في معالجة القضايا والملفات الأساسية في البلاد حادثة محددة حصلت معه وفي مكتبه الرئيسي تمنعه من العمل والإنجاز هو وزملاءه الوزراء .
في أحد الأيام المبكرة للعمل كان مكتب زيدان يعد العدة لاتخاذ قرار بشأن ملف يتعلق بإحدى المدن ..فجأة دخل إلى المكتب شاب في العشرينات من العمر يعمل في وظيفة متدنية في مقر رئاسة الوزراء واستطاع تجاوز طاقم البروتوكول والأمن حاملا ‘رمانة’ أي قنيلة يدوية .
وضع الشاب قنبلته اليدوية على طاولة رئيس الوزراء قائلا: دولة الرئيس.. إذا اتخذت القرار بهذا الاتجاه سنفجرك وأنت ‘مقعمز′ أي جالس- في مكانك.
طبعا إحتوى زيدان الشاب وأبلغه بأن القرار لن يتخذ وأقفل الملف لكنه تدفق يروي الحكاية نفسها لكل السائلين وفي كل الاجتماعات .
يفترض أن هذه الحكاية حصلت قبل حادثة اختطاف زيدان الشهيرة لعدة ساعات خصوصا وان الأخير بدا ميالا للهدوء والتوقف عن المبادرات ، الأمر الذي يجعل الطاقم الوزاري برمته في حالة انفصال تام عن الواقع الاجتماعي والسياسي والإقتصادي، كما توضح الكاتبة الصحافية فاطمة غندور التي تصدر مجلة تنطوي على جرعات إضافية من النقد الموضوعي .
بالنسبة للغالبية الساحقة من المثقفين والنشطاء الليبيين الذين التقتهم ‘القدس العربي’ لا توجد حكومة حقيقية في البلاد مما يؤخر الكثير من معطيات العمل والفعل ويساهم في تراكم المشكلات وتأخير المعالجات في وضع يبدو انه صعب ونتائجه سلبية على حد تعبير زكريا سليمان أحد أبرز الناشطين في مجال الحريات الصحافية ومن أوائل الثوار في طرابلس .
في مواقع أكثر عمقا فإن الانفلات الأمني رغم تأثيراته السلبية ليس أكثر من ‘ذريعة’ تستخدمها الحكومة المؤقتة حتى لا تعمل ولا تنجز خصوصا وان زيدان وفريقه لا يفعلان شيئا إطلاقا في معالجة مظاهر هذا الانقلات الأمني رغم أن السلاح بين يديهم هو الأقوى وحصريا ‘مال الدولة’.
لمسألة التراخي الحكومي تفسير أكثر حساسية بالنسبة لقيادي بارز في الجناح المقرب من الحاج مصطفى عبد الجليل، فبعض القوى النافذة في العالم والمنطقة لا تريد لليبيا الاستقرار والساحة الوطنية مزدحمة بالأجندات السياسية والأمنية والإقتصادية وجميع هذه الأجندات لها’وكلاء’ داخل ليبيا بما في ذلك الدول العربية النفطية التي ساعدت الشعب الليبي.
على هذا الأساس ليس سرا أن الأوساط الطلابية وقبلها السياسية تتهم زيدان تحديدا بالارتباط أكثر مما ينبغي بالتصور ‘الفرنسي’ تحديدا وبالاستعانة أكثر مما ينبغي بفئة الوزراء المستوردين من الخارج. يقول سعيد اليحياوي وهو ناشط طلابي التقته ‘القدس العربي’ بالقرب من دوار الجزائر في العاصمة طرابلس′ نعرف بأن لفرنسا مصالح أساسية وأطماعا ولا نغرق في الأوهام ونقول اننا سنطرد فرنسا ونحرمها من هذه المصالح لكن يمكن التفاهم على مصالح مشتركة ببساطة’ .
يضيف اليحياوي: هذا تحديدا وللأسف ما لا يفعله بن زيدان وطاقمه المستورد ولذلك فقدت حكومته شرعيتها وندعو لإسقاطها فنحن لا نريد منه إعلان الحرب على فرنسا ولكن يمكنه أن يكون ليبيا بالمقام الأول ثم ينطلق للتفاهم مع فرنسا وغيرها.
مصدر مهم ومطلع يفضل كالعادة عدم نشر اسمه كشف لـ’القدس′ العربي النقاب عن أن فرنسا هي وحدها وفي الإجتماعات المغلقة على مستوى الأمم المتحدة وأصدقاء ليبيا التي تتمركز في كل حواراتها خلف فكرة محددة تقول بأن ‘المجتمع الليبي غير متجانس ولا يمكنه أن يكون كذلك’.
هذه الفكرة ـ حسب المصدر نفسه ـ هي دعوة صريحة لتأييد تقسيم ليبيا، وفي السياق ليس سرا إطلاقا أن فرنسا ‘صديقة مقربة جدا’ من زيدان ومن الواضح أنها تعيق عمله وليس الإعتبارات الأمنية، كما ليس سرا أن باريس لديها أطماع في إقليم الفزان وسط البلاد وهو إقليم مليء بالثروات الطبيعية ومنسجم إجتماعيا وقبليا مما يفسر الجرعة الفرنسية المبالغ فيها في أداء حكومة زيدان.
على هذا الأساس توجه في إطار الحالة النقاشية العامة في طرابلس وبنغازي إتهامات يومية وصريحة لزيدان بأنه مقرب جدا من فرنسا ويحظى بدعمها باعتبارها من القوى الأساسية التي ساندت ثورة فبراير.
لكن حالة الحنق العامة والجماعية من الوزراء لا تقف عند هذه الحدود، فنخبة كبيرة من المثقفين ترى بأن تجربة الإستعانة بالكامل بوزراء ‘مستوردين’ دوما أظهرت إخفاقها مع التقدير لجهود من ناصروا الثورة من الخارج ودعموها من مطاريد عهد القذافي.
محمد أمحيا رئيس المجلس الثقافي مثلا يرى ان ثمة وزارات ومؤسسات مثل الصحة والتربية والتعليم والأوقاف والثقافة ينبغي أن تبقى في أيدي شخصيات من الداخل بسبب دورها الحيوي في مخاطبة المجتمع المحلي مع عدم وجود ما يمنع من استثمار مهارات أبناء ليبيا في الخارج في اتجاهات موازية من طراز الدبلوماسية والشأن الخارجي والسياحة مثلا.
شخصيات أخرى تتحدث عن ‘عدم جدية’ زيدان الواضحة في التعاطي مع بعض الحالات والتعبيرات، فوزير الثقافة مثلا كلف بافتتاح مشروع استراتيجي في مجال النفط والوزير المختص بشؤون الكهرباء يمكن تكليفه بمتابعة مناسبة ثقافية مما ينتج عند المواطن الليبي شعورا بعدم الجدية.
يتحالف هذا الشعور مع إحساس عام بأن الدول الكبيرة والعربية التي ساهمت في مساندة ثورة فبراير لها وكلاء في خارطة النفوذ بالداخل يعيقون بناء الدولة الليبية المعاصرة .
لذلك إجتمع رئيس التحالف الوطني محمود جبريل في العاصمة الأردنية وغيرها من العواصم مؤخرا بممثلين بارزين للاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي وطالبهم ضمنيا، كما علمت ‘القدس العربي’ بوقف تدخلاتهم التي تعيق الاستقرار في ليبيا والعمل على الإتفاق معا ومن زاوية ليبية وطنية على المصالح المشتركة بدلا من ترك الساحة نهبا لبوصلة الأجندات المتدحرجة.
ولذلك نصت وثيقة جبريل للحوار الوطني بوضوح على مخاطبة سفراء أوروبا والدول الكبرى لصالح تفعيل الحوار الوطني .
بسام البدارين

تعليقات الزوار
لا تعليقات