لم يعد الجدل في موريتانيا حول الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز محصورًا في سؤال الإدانة والبراءة، ولا في تفاصيل «ملف العشرية» الذي استهلك سنوات من القضاء والسياسة والإعلام.
فبعد أن أصبح الحكم بسجنه 15 عامًا نهائيًا إثر قرار المحكمة العليا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، انتقل مركز الثقل تدريجيًا إلى سؤال أكثر حساسية: كيف تُنفذ العقوبة بحق رئيس سابق، عندما تدخل حالته الصحية وظروف احتجازه على خط القضية؟
تجد السلطة نفسها أمام معادلة دقيقة: التأكيد على أن ولد عبد العزيز سجين بموجب حكم قضائي نهائي، وبالتالي لا ينبغي أن تمنحه صفته السابقة امتيازًا يعفيه من مبدأ المساواة أمام القانون. وفي المقابل، تتسع أصوات ترى أن تنفيذ العقوبة شيء، وظروف تنفيذها والتعامل الإنساني والصحي مع رجل متقدم في السن وتولى رئاسة الدولة شيء آخر.
وبين المنطقين، بدأ الملف يخرج تدريجيًا من أسوار السجن ليعود إلى المجال السياسي من بوابة الصحة وظروف الاحتجاز.
السلطة: سجين ينفذ حكمًا وليس معتقلًا سياسيًا
وتنطلق الرواية الرسمية من أساس قانوني واضح: ولد عبد العزيز لا يوجد في السجن بقرار إداري أو احتجاز سياسي مؤقت، وإنما ينفذ بحقه حكم قضائي صدر بعد محاكمة وبعد استنفاد درجات التقاضي.
فقد رفعت محكمة الاستئناف، في أيار/مايو 2025، العقوبة من خمس سنوات إلى 15 سنة، قبل أن تحسم المحكمة العليا الملف في تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه، مع الإبقاء على العقوبة السالبة للحرية ونقض جزء من الإدانة المتعلقة ببعض التهم.
ومن هذا المنطلق، تحاول الحكومة الفصل بين النقاش حول ظروف السجين، وإعادة فتح النقاش السياسي والقانوني حول أصل القضية.
ويندرج في هذا السياق آخر حديث لوزير العدل الموريتاني محمد ولد اسويدات عن تمتع الرئيس السابق بالعناية اللازمة، بما يشمل المتابعة الطبية والزيارات ولقاء محاميه وأفراد أسرته.
وعلى هذا الأساس فالرسالة السياسية من هذه الرواية واضحة: الدولة تريد نفي وجود استهداف صحي أو حرمان متعمد، وتقديم القضية باعتبارها تنفيذًا لحكم قضائي مع احترام الحقوق التي يكفلها القانون للسجين.
لكن الملف لم يعد يقاس فقط بما تسمح به إدارة السجن من زيارات أو معاينات، وإنما بالصورة التي تتشكل خارجه.
يحاول أنصار الرئيس السابق نقل النقاش من سؤال «لماذا هو في السجن؟» إلى سؤال «لماذا يستمر سجنه بهذه الظروف؟».
وبهذا التحول يكون الأمر مهما من الوجهة السياسية؛ إذ لم تعد المرافعة تركز فقط على رفض الأحكام، وإنما تركز بصورة متزايدة على السن والصحة والعزلة وطول مدة الاحتجاز، فضلًا عن ماضي الرجل رئيسًا للجمهورية وضابطًا في الجيش.
وفي هذا السياق، يذهب خطاب مؤيدي ولد عبد العزيز الذي يؤكد بأن استمرار وضعه في السجن، وما يوصف بالانفرادي، لا يمكن تفسيره فقط بالملف القضائي، بل يعكس، بحسب رأيهم، بعدًا سياسيًا يتجاوز العقوبة نفسها.
ويستحضر هذا الخطاب تاريخه العسكري ورئاسته للبلاد، في محاولة لإعادة بناء صورته في الرأي العام، لا باعتباره رئيسًا سابقًا أدانه القضاء في قضية فساد، وإنما رجل دولة حكم البلاد سنوات طويلة وانتهى إلى العزلة خلف القضبان.
وبهذه الطريقة تظهر للعيان إعادة صياغة فعالة للمعركة السياسية، لأن نقاش الأدلة والأموال والتهم والأحكام معقد ومتشعب، بينما تبدو أسئلة الصحة والمعاملة الإنسانية أكثر قدرة على تحريك التعاطف العام.
لكن الأكثر دلالة بالنسبة إلى السلطة أن الانتقادات لم تعد محصورة في الدائرة التقليدية لأنصار ولد عبد العزيز، فقد بدأت تظهر أصوات من المعارضة تدعو إلى تمكين الرئيس السابق من العلاج في الخارج، أو تطالب بإعادة النظر في ظروف احتجازه.
وفي هذا الإطار، انتقد أحمد ولد هارون، رئيس حزب العمران المعارض، ما وصفه بالإصرار على وضع الرئيس السابق في سجن انفرادي وعزله عن محيطه البشري، معتبرًا أن الأمر يتجاوز، في نظره، الاعتبارات الأمنية إلى ما وصفه بالعقاب النفسي المهين. والفارق هنا سياسي مهم، فعندما تصدر المطالب عن أنصار ولد عبد العزيز، يمكن للسلطة التعامل معها باعتبارها جزءًا من معركة سياسية وقانونية متوقعة. أما عندما تنتقل المطالب الإنسانية إلى شخصيات وقوى ليست جزءًا من معسكره وإنما من أطراف كانت تعارضه بشدة خلال فترة حكمه، فإن القضية تصبح أكثر إحراجًا، لأنها تتحول تدريجيًا من قضية «أنصار رئيس سابق» إلى سؤال أوسع حول حقوق السجين وظروف معاملته.
الصحة تغيّر طبيعة المعركة
وبإمكان السلطة في الأزمات السياسية الطويلة الدفاع عن موقفها القانوني ما دام النقاش محصورًا في الأحكام والإجراءات، لكن دخول العامل الصحي يغير الصورة.
فكلما تصاعد الحديث عن تدهور صحة سجين أو مسؤول سابق، تتراجع التفاصيل القانونية في الوعي العام أمام سؤال أبسط: هل توفر الدولة له العلاج الذي تتطلبه حالته؟
وهنا تكمن المعضلة، فالحكومة تقول إن الرعاية الصحية متاحة، بينما يشكك خصومها وأنصار الرئيس السابق في كفايتها، ويطالب بعضهم بالعلاج خارج البلاد.
ولذلك، فإن حسم جانب كبير من الجدل لا يبدو ممكنًا عبر السجال السياسي وحده، بل يحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الشفافية الطبية والقانونية، مع احترام خصوصية المريض: تقييم طبي مهني ومستقل، وتحديد مدى قدرة المنشآت الصحية الوطنية على توفير العلاج المطلوب، ثم اتخاذ القرار على هذا الأساس.
من هنا يبرز سؤال قد يفرض نفسه لاحقًا: هل يمكن أن تتحول الحالة الصحية إلى مدخل لتسوية إنسانية لا تنقض الحكم القضائي ولا تبدو فيها الدولة متراجعة تحت الضغط؟
والواقع أن هناك مساحة بين خيارين متطرفين: استمرار الوضع دون تغيير مهما تصاعد الجدل الصحي، أو إلغاء الآثار العملية للحكم بالكامل. ويمكن أن تشمل هذه المساحة، وفق ما يسمح به القانون وما تقرره الجهات الطبية المختصة، ترتيبات علاجية أكثر مرونة، أو نقل السجين للعلاج، أو تدابير إنسانية مرتبطة حصريًا بحالته الصحية.
لكن أي قرار من هذا النوع يحتاج إلى صياغة مؤسساتية دقيقة حتى لا يتحول إلى سابقة توحي بأن المكانة السياسية السابقة تمنح صاحبها حقوقًا لا يحصل عليها السجين العادي.
وهنا تتمسك السلطة بأقوى حججها: إذا كانت الدولة تريد ترسيخ تقليد للمساءلة، فإن الرئيس السابق لا يمكن أن يصبح فوق الأحكام بسبب موقعه السابق.
وفي المقابل، يرد خصومها بأن المساواة أمام القانون لا تعني التشدد في ظروف التنفيذ، وأن ضمان العلاج والكرامة الإنسانية لا يلغي الحكم ولا يبرئ المحكوم عليه.
المفارقة أن استمرار الجدل قد يجعل «ملف العشرية» نفسه يتراجع إلى الخلف. فالمسار القضائي الأساسي حُسم، والحكم بالسجن 15 عامًا أصبح باتًا بعد سنوات من التحقيق والمحاكمة؛ لكن السياسة لا تنتهي عندما ينطق القضاء بالحكم.
وبمرور الوقت، قد لا يعود السؤال الأبرز في الرأي العام: ماذا فعل ولد عبد العزيز أثناء حكمه؟ بل: كيف تتعامل الدولة الحالية معه وهو في السجن؟
وهنا تكمن المخاطرة السياسية الحقيقية بالنسبة إلى السلطة؛ فإذا نجح أنصار الرئيس السابق في نقل صورته من «رئيس أدانه القضاء في قضايا فساد» إلى «رئيس سابق مريض ومعزول»، فإنهم يكونون قد حققوا مكسبًا سياسيًا مهمًا، حتى من دون تغيير الحكم.
وفي المقابل، تستطيع الحكومة إضعاف هذه الرواية إذا أثبتت بشفافية أن حقوقه الصحية والقانونية مصانة، وأن أي قرار بشأن علاجه يُتخذ وفق معايير طبية وقانونية واضحة، لا وفق الحسابات السياسية.
اختبار يتجاوز شخص ولد عبد العزيز
لذلك، أصبحت قضية محمد ولد عبد العزيز أكبر من مصير رجل واحد، فقد أصبحت اختبارا لطريقة تعامل الجمهورية الإسلامية الموريتانية مع رؤسائها السابقين عندما ينتقلون من قمة السلطة إلى موقع المساءلة، واختبار لقدرة المؤسسات على الجمع بين استقلال القضاء وتنفيذ الأحكام والكرامة الإنسانية.
وقد يكون الخطأ الأكبر تحويل المسألة إلى اختيار بين تطبيق القانون والتعامل الإنساني مع الرئيس السابق؛ فالدولة القوية تستطيع القيام بالأمرين معًا.
أما إذا طال الجدل الصحي من دون آلية شفافة تقطع الشك باليقين، فقد تتسع المساحة التي تتحرك فيها المعارضة وأنصار ولد عبد العزيز، ويتحول الملف الصحي تدريجيًا إلى مدخل لإعادة تجميع التعاطف السياسي حوله.
وهكذا يجد الرئيس السابق نفسه، بعد سنوات من مغادرة القصر، أمام مفارقة لافتة: قضيته حُسمت قضائيًا، لكنها لم تُحسم سياسيًا، وربما تكون صحته وظروف سجنه، لا ملفات فترة حكمه، هي التي تحدد شكل الفصل المقبل من علاقته بالدولة والرأي العام.

تعليقات الزوار
لا تعليقات