في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل وغرب إفريقيا، تبدو موريتانيا وكأنها تحاول توسيع هامش حركتها الدبلوماسية من موقع الجوار المجرد إلى موقع الوسيط القادر على فتح قنوات التواصل بين الأطراف الإقليمية.
وفي هذا السياق، يكتسب اللقاء الذي جمع الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني بنظيره الإيفواري الحسن واتارا خلال اليومين الأخيرين، أهمية تتجاوز بحث العلاقات الثنائية، ليتصل بأمن المنطقة الساحلية، وتداعيات الأزمات المتلاحقة فيها، إلى جانب أوضاع الجاليات ومسائل التنقل والتعاون بين دول غرب إفريقيا. ويأتي التحرك الموريتاني في لحظة تتزايد فيها الحاجة إلى قنوات سياسية قادرة على تخفيف التوترات داخل الإقليم، خصوصاً مع اتساع الفجوة بين دول الساحل وبعض شركائها التقليديين في غرب إفريقيا.
ومن هذا المنظور، يمكن أن يشكل انفتاح نواكشوط على أبيدجان جزءاً من مسعى أوسع لإعادة بناء جسور الحوار الإقليمي، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف وموقعها الجغرافي والسياسي بين فضاءي الساحل وغرب إفريقيا.
أما إثارة أوضاع الجالية الموريتانية في ساحل العاج خلال المحادثات، فتمنح هذا التحرك بعداً عملياً وإنسانياً، يعكس ارتباط الأمن والاستقرار الإقليميين أيضاً بحماية مصالح المواطنين وحركة المجتمعات بين بلدان المنطقة.
وبين الاعتبارات الأمنية والحسابات الدبلوماسية، تبدو نواكشوط أمام اختبار جديد لقدرتها على ترجمة سياسة الانفتاح الإقليمي إلى دور أكثر تأثيراً في هندسة التوازنات داخل غرب إفريقيا والساحل.
ولم تكن زيارة الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني إلى أبيدجان طويلة، لكن قصرها الزمني بدا متناسباً عكسياً مع ثقل رسائلها؛ ففي منطقة يعاد فيها رسم خرائط التحالفات والتهديدات بسرعة، حمل اللقاء مع الرئيس الإيفواري الحسن واتارا مؤشرات على رغبة البلدين في الارتقاء بعلاقة تاريخية مستقرة إلى مستوى تشاور سياسي وأمني أوثق، في وقت تتداخل فيه أزمات الساحل مع مخاوف دول خليج غينيا، وتتراجع الحدود الفاصلة بين ما هو أمني وما هو سياسي واقتصادي.
وزاد المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقده الرئيسان في القصر الرئاسي بأبيدجان، في ختام زيارة الصداقة والعمل، من وضوح الدلالات السياسية للزيارة، إذ تركز حديثهما على الثقة وتقارب الرؤى والعمل المشترك في مواجهة تحديات المنطقة.
وأكد الرئيس الغزواني أن زيارته تحمل في آن واحد طابعي «الصداقة» و»الأخوة»، مشدداً على أن العلاقات بين موريتانيا وكوت ديفوار تقوم على روابط تاريخية وثقة متبادلة وتطابق في وجهات النظر بشأن العديد من القضايا المهمة. كما لفت إلى أن أهمية هذه العلاقة تتضاعف «في ظل السياق الدولي والإقليمي الراهن» والتحديات المشتركة التي تواجه البلدين.
ولم يكتف الرئيس الموريتاني بالإشادة بالعلاقات الثنائية، بل حرص على توجيه شكر خاص لواتارا على ما وصفه بما أبداه باستمرار من «إصغاء واهتمام ودعم» لموريتانيا، قبل أن يلخص حصيلة اللقاء في «رسالة صداقة وأخوة وثقة».
أما الرئيس الحسن واتارا، فأكد أن المباحثات تناولت الأوضاع في البلدين وآفاق التعاون، و»خاصة التحديات التي تواجه منطقتنا»، مضيفاً أن الطرفين «متفقان تماماً بشأن القرارات والآفاق المستقبلية»، وأنهما سيعملان معاً بصورة وثيقة لتحقيق المزيد من التقدم.
وتمنح هذه العبارات الزيارة بعداً يتجاوز المجاملات الدبلوماسية المعتادة؛ إذ تضعها في سياق سياسي أوسع تحاول فيه نواكشوط وأبيدجان تعزيز التنسيق في منطقة تعاني انقسامات حادة، فيما تواجه منظوماتها التقليدية صعوبات متزايدة في إنتاج استجابات جماعية للأزمات.
الساحل وخليج غينيا.. مخاطر تقترب من بعضها
وتأتي زيارة الغزواني لساحل العاج في ظرفية إقليمية شديدة الحساسية، تتسم باستمرار الاضطرابات الأمنية في الساحل وتصاعد المخاوف من انتقال آثارها إلى دول خليج غينيا. ولم تعد الأزمة الأمنية محصورة في نطاقها الصحراوي التقليدي، بل باتت تفرض على الدول المستقرة نسبياً إعادة تقييم حساباتها الأمنية وتحالفاتها السياسية.
ويكتسب التشاور بين نواكشوط وأبيدجان أهميته تحديداً من اختلاف الموقع الجغرافي للبلدين وتشابه بعض المخاوف التي يواجهانها، فموريتانيا تقع على الجبهة الغربية للساحل وتجاور مالي مباشرة، بينما تمثل كوت ديفوار إحدى أهم القوى الاقتصادية والسياسية جنوب المنطقة، وتجاور بدورها مالي وبوركينا فاسو.
وتشكل الأزمة الأمنية والسياسية في مالي خلفية أساسية لهذا المشهد. فسنوات الاضطراب، وتبدل التحالفات العسكرية، وانسحاب بعثات وقوات دولية، وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة، كلها عوامل أعادت تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بالدولتين.
وبالنسبة لنواكشوط، تحمل الأزمة المالية أبعاداً مباشرة بفعل الحدود الطويلة بين البلدين، وما يرافق تدهور الأوضاع من تدفقات بشرية وضغوط إنسانية واقتصادية وأمنية على المناطق الموريتانية الشرقية. أما أبيدجان فتنظر إلى تطورات الساحل من زاوية أمن شمال البلاد، المرتبط بدرجة متزايدة بما يجري في مالي وبوركينا فاسو.
اتساع نطاق الجهاد المسلح
ويضاف إلى ذلك خطر توسع نشاط الجماعات المسلحة باتجاه دول غرب إفريقيا الساحلية. ولم يعد التحدي مقتصراً على عبور المقاتلين للحدود، بل يشمل استغلال هشاشة بعض المناطق الطرفية والفقر والبطالة وضعف الخدمات والتوترات المحلية لبناء شبكات نفوذ واستقطاب.
وهكذا تتبلور تدريجياً معادلة أمنية جديدة: لم تعد هناك أزمة «ساحلية» منفصلة عن خليج غينيا، بل فضاء مترابط يمكن أن تنتقل داخله التهديدات والضغوط الاقتصادية والاجتماعية عبر الحدود.
الجالية.. مصالح موريتانية في قلب كوت ديفوار
ولا تُقرأ العلاقة بين البلدين من بوابة الأمن والجغرافيا السياسية وحدهما، فهناك عامل بشري شديد الأهمية يتمثل في الجالية الموريتانية الكبيرة والممتدة تاريخياً في المدن الإيفوارية، والتي تعد إحدى أهم ركائز العلاقات الشعبية والاقتصادية بين البلدين.
وتضم الجالية عشرات الآلاف من الموريتانيين، يعمل جزء معتبر منهم في التجارة والأنشطة الصغيرة والمتوسطة، ويتوزعون بين أبيدجان ومدن ومناطق داخلية عديدة. وعلى مدى عقود، أصبحت هذه الشبكة البشرية جزءاً من دورة التبادل بين البلدين، كما تشكل تحويلاتها المالية رافداً مهماً لآلاف الأسر في موريتانيا.
وقد اكتسب الوجود الموريتاني في كوت ديفوار طابعاً اجتماعياً واقتصادياً يتجاوز مفهوم الهجرة التقليدية، بفعل اندماج التجار والأسر في محيطهم المحلي وابتعاد الجالية عموماً عن التجاذبات السياسية الداخلية.
ولهذا فإن استقرار كوت ديفوار لا يمثل بالنسبة لنواكشوط مجرد قضية تخص دولة صديقة، بل يرتبط بصورة مباشرة بأمن ومصالح شريحة واسعة من مواطنيها وبشبكة من المصالح التجارية والمالية الممتدة بين البلدين.
استمرار فتح بوابات الحوار
وبينما تتعقد خريطة التحالفات والانقسامات في غرب إفريقيا، تراهن موريتانيا على موقعها كطرف قادر على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع مختلف العواصم، بعيداً عن الاستقطاب الحاد الذي يطبع المشهد الإقليمي.
ويمنح التقارب مع ساحل العاج هذا التوجه بعداً إضافياً، خصوصاً في ظل الحاجة إلى مقاربة جماعية للأمن والاستقرار تتجاوز الحلول العسكرية إلى الدبلوماسية والتنسيق السياسي.
وإذا كانت الملفات الثنائية، وفي مقدمتها أوضاع الجالية الموريتانية، تشكل مدخلاً مباشراً لهذا الحوار، فإن رهانه الأوسع يتمثل في تحويل العلاقات بين نواكشوط وأبيدجان إلى جسر للتواصل داخل فضاء غرب إفريقيا والساحل. ويبقى نجاح هذا الدور مرهوناً بقدرة موريتانيا على الحفاظ على توازن علاقاتها، واستثمار الثقة التي راكمتها إقليمياً، وتحويل موقعها الجغرافي والسياسي إلى نفوذ دبلوماسي قادر على المساهمة في احتواء أزمات المنطقة.
موريتانيا تفتح ممرّاً للمصالحة في غرب افريقيا

تعليقات الزوار
لا تعليقات