ردّد رئيس حكومة مالي عبد الله مايغا مقاطع من النشيد الوطني الجزائري «قسما»، خلال خطاب ألقاه الخميس في باماكو، في موقف لافت يعكس التحول الواضح في خطاب السلطات المالية تجاه الجزائر، بالتزامن مع استئناف العلاقات الدبلوماسية وعودة السفيرين وإعادة فتح المجال الجوي بين البلدين.
واختار مايغا، الذي كان أحد أركان الخطاب المالي الحاد تجاه الجزائر خلال فترة الأزمة، أن يردد أمام الحاضرين: «نحن ثرنا فحياة أو ممات، وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر، فاشهدوا، فاشهدوا، فاشهدوا»، وذلك خلال اختتام لقاءات الحوار المخصصة لتقييم السنوات الخمس من المرحلة الانتقالية في مالي.
وتحدث رئيس الحكومة المالية في المناسبة عن العلاقات مع الجزائر، مؤكدا أن البلدين تجاوزا مرحلة الخلاف السابقة، وأن هناك إرادة مشتركة لإعادة بناء العلاقات على أساس الاحترام المتبادل والحوار والمصالح المشتركة. كما أكد وجود تقارب في المواقف بين الرئيس الانتقالي المالي أسيمي غويتا والرئيس عبد المجيد تبون، خصوصا بشأن احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وأشار مايغا إلى الروابط التاريخية والثقافية والإنسانية التي تجمع البلدين، مستحضرا تكوين عدد من المسؤولين الماليين إلى جانب الجزائريين في المدرسة الوطنية للإدارة بالجزائر، ومن بينهم هو شخصيا والرئيس عبد المجيد تبون . كما شدد على ضرورة استمرار العلاقات بين البلدين وتعزيز التعاون في مختلف المجالات.
وتكتسي تصريحات مايغا أهمية خاصة بالنظر إلى مسار العلاقات خلال العامين الماضيين، إذ لم يكن الخلاف مجرد تباين عابر في المواقف، بل تحول إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة، انتقلت من إجهاض جهود الوساطة الجزائرية في مالي إلى التراشق السياسي ثم إلى إجراءات دبلوماسية وأمنية متبادلة.
وكانت نقطة التحول الأولى قد تمثلت في قرار السلطات المالية إنهاء العمل باتفاق السلام والمصالحة الموقع سنة 2015 برعاية جزائرية، وهو الاتفاق الذي شكل لسنوات الإطار الرئيسي للوساطة الجزائرية بين الحكومة المالية والجماعات المسلحة في شمال البلاد. واعتبرت الجزائر القرار تراجعا عن مسار سياسي ساهمت في رعايته لسنوات، بينما رأت باماكو أن الظروف التي أُبرم فيها الاتفاق لم تعد قائمة.
وتصاعدت حدة الخطاب بين الطرفين خلال 2024، وكان عبد الله مايغا، حينها بوصفه وزيرا للخارجية أحد أبرز المسؤولين الماليين الذين وجهوا انتقادات حادة للجزائر. ورد وزير الخارجية أحمد عطاف في سبتمبر من العام نفسه بلهجة شديدة، واصفا تصريحات المسؤول المالي بأنها «كلام وضيع لا يليق البتة» و«اندفاع لفظي تافه ودنيء».
غير أن الأزمة بلغت ذروتها في أبريل 2025، بعد حادثة إسقاط الطائرة المسيرة المالية قرب الحدود. وأعلنت الجزائر أن قوات الدفاع الجوي أسقطت طائرة استطلاع مسيرة تابعة للقوات المالية بعدما اخترقت المجال الجوي الجزائري، مستندة إلى بيانات الرادار التي قالت إنها تثبت وقوع الاختراق. في المقابل، اتهمت الجزائر بإسقاط الطائرة داخل المجال الجوي المالي.
وأدت الحادثة إلى إجراءات تصعيدية متبادلة، شملت استدعاء السفراء، قبل أن تمتد الأزمة إلى المجال الجوي. وفي 7 أبريل 2025، أعلنت الجزائر غلق مجالها الجوي أمام جميع الرحلات القادمة من مالي أو المتجهة إليها، مبررة القرار بما وصفته بالاختراقات المتكررة للمجال الجوي الجزائري.
ولم يتوقف الخلاف عند مستوى العلاقات الثنائية، إذ انتقل إلى المنابر الدولية. ففي سبتمبر 2025، هاجم عبد الله مايغا الجزائر من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، متهما إياها بدعم الإرهاب، في سياق قضية الطائرة المسيرة. ورد أحمد عطاف من المنبر نفسه، واصفا تصريحات رئيس الحكومة المالية بأنها «ثرثرة سوقية» تثير «الاشمئزاز»، لتصل بذلك الأزمة إلى واحدة من أكثر مراحلها حدة.
لكن الأشهر الأخيرة حملت مؤشرات متتالية على تغير الموقف. فقد بدأت الجزائر في اعتماد خطاب أكثر تركيزا على الحوار والحلول السياسية في منطقة الساحل، بالتوازي مع إعادة ترتيب علاقاتها مع دول المنطقة. وفي ما يتعلق بمالي، أكد الرئيس عبد المجيد تبون أن الأزمة المالية لا يمكن أن تعالج أمنيا فقط، مشددا على أهمية الحوار، كما أشار إلى أن الرئيس الانتقالي أسيمي غويتا لم يصدر عنه خطاب مسيء تجاه الجزائر.
وتوج هذا المسار في يوليو الماضي بإجراءات عملية. فقد أعلنت الجزائر في 10 يوليو إعادة فتح مجالها الجوي بالكامل أمام حركة الطيران المالي، بعد أكثر من عام على إغلاقه، بالتزامن مع عودة السفير الجزائري إلى باماكو. وردت الحكومة المالية بإعادة سفيرها إلى الجزائر وإعادة فتح مجالها الجوي أمام الطائرات المدنية والعسكرية التي تؤمن الرحلات من الجزائر وإليها.
وبعد أشهر من تبادل الاتهامات وإغلاق المجالين الجويين واستدعاء السفراء، يبدو أن الجزائر وباماكو تتجهان حاليا إلى مرحلة جديدة تقوم على إعادة بناء الثقة تدريجيا، والإبقاء على الخلافات ضمن قنوات الحوار، في ظل إدراك متبادل لحجم الروابط الحدودية والتاريخية والمصالح الأمنية والاقتصادية التي تجعل استمرار التوتر بين البلدين خيارا مكلفا للطرفين.

تعليقات الزوار
لا تعليقات