أخبار عاجلة

قضية الحراطين تعود لواجهة المشهد السياسي الموريتاني

قبل أسابيع من انطلاق الحوار الوطني المرتقب في موريتانيا، عادت قضية الحراطين لتفرض نفسها بقوة على النقاش السياسي بعدما أطلق أكثر من مائتي إطار وحقوقي ونقابي وفاعل سياسي من أبناء هذه الشريحة عريضة جماعية تدعو إلى إدراج جملة من المطالب السياسية والاقتصادية والحقوقية ضمن جدول أعمال الحوار، الأمر الذي فتح سجالاً واسعاً حول أفضل السبل لمعالجة آثار الرق التاريخية والتهميش الاجتماعي، وحدود ما يمكن أن تقبله الدولة والمجتمع من إصلاحات في هذا الملف شديد الحساسية.
ويمثل الملتمس أول تحرك جماعي بهذا الحجم منذ إعلان السلطة إطلاق حوار وطني شامل، وهو ما يمنحه دلالة سياسية تتجاوز مضمونه، إذ يسعى أصحابه إلى ضمان حضور قضية الحراطين في صدارة الملفات المطروحة، باعتبارها، وفق تقديرهم، إحدى القضايا المؤجلة التي لم تفلح السياسات المتعاقبة في تسويتها بصورة نهائية.
ويرى الموقعون أن الحراطين ما يزالون يتحملون آثار الاسترقاق التاريخي، مستدلين باستمرار الفقر والهشاشة الاجتماعية وضعف التمثيل في مراكز القرار والإدارة، وصعوبة الوصول إلى الوظائف العليا والتمويل وملكية الأراضي، معتبرين أن هذه الاختلالات تستدعي انتقال الدولة من مرحلة الاعتراف بالمشكلة إلى اعتماد إصلاحات أكثر عمقاً.
ودعت الوثيقة إلى مراجعة بعض المقتضيات الدستورية بما يضمن الاعتراف بالحراطين ضمن المكونات الوطنية، وإقرار آليات للتمييز الإيجابي في مجالات التوظيف والتمثيل السياسي والإداري، فضلاً عن مطالب حقوقية تتعلق بإطلاق سراح عدد من النشطاء واستعادة بعض المنتخبين لحقوقهم المدنية والسياسية.
واكتسبت العريضة زخماً إضافياً من طبيعة الموقعين عليها، إذ ضمت وزراء سابقين، وعمد بلديات، وأساتذة جامعات، ومحامين، ونقابيين، ورجال أعمال، وأئمة، وأكاديميين داخل موريتانيا وخارجها، بما يعكس اتساع دائرة المطالبين بإعادة فتح النقاش حول أوضاع هذه الشريحة، وربطها مباشرة بالاستحقاق السياسي المقبل.
غير أن المبادرة لم تمر دون إثارة ردود فعل واسعة، إذ برزت أصوات حذرت من أن بعض المطالب قد تقود إلى ترسيخ الانقسامات المجتمعية بدل معالجتها. ومن أبرز هذه المواقف ما عبر عنه الدكتور خالد عبد الودود، الذي رفض الدعوة إلى الاعتراف بالحراطين كمكون وطني مستقل، معتبراً أنهم جزء من المكون العربي في موريتانيا، وأن إعادة تصنيف المجتمع وفق الانتماءات الشرائحية قد تفتح الباب أمام استقطابات جديدة لا تخدم الوحدة الوطنية.
كما انتقد عبد الودود الدعوة إلى اعتماد التمييز الإيجابي، معتبراً أن مبدأ المساواة بين المواطنين يظل الإطار الأمثل لمعالجة الاختلالات الاجتماعية، داعياً إلى سياسات تنموية تستهدف الفئات الأكثر هشاشة بغض النظر عن انتماءاتها الاجتماعية، وإلى التصدي للخطابات التي من شأنها تغذية الانقسام داخل المجتمع. لكن الاعتراض على بعض مضامين الملتمس لم يقتصر على الرافضين للمقاربة الشرائحية، بل شمل أيضاً أحد أبرز الوجوه التاريخية المدافعة عن قضية الحراطين، وهو النائب البرلماني ورئيس حركة «إيرا» بيرام الداه اعبيد، الذي قدم مقاربة مختلفة تجمع بين الإقرار بوجود المظالم ورفض بعض الآليات المقترحة لمعالجتها.
وأكد بيرام أن آثار العبودية ما تزال تنعكس على فرص الولوج إلى الأرض والوظيفة العمومية ومراكز القرار والتمويل، داعياً إلى سياسات عمومية واضحة لمعالجة هذه الاختلالات، لكنه رفض في المقابل تحويل مؤسسات الدولة إلى فضاء للمحاصصة بين المكونات الاجتماعية، معتبراً أن تصحيح المظالم التاريخية ينبغي أن يتم في إطار دولة المواطنة وسيادة القانون، لا عبر تكريس تقسيم المجتمع إلى مكونات متنافسة.
كما وسع بيرام دائرة العدالة الاجتماعية لتشمل مختلف الفئات المتضررة من الفقر والإقصاء، سواء من الحراطين أو المكونات العربية والإفريقية الزنجية، إضافة إلى النساء والشباب وسكان المناطق الأقل نمواً، مؤكداً أن العدالة ينبغي أن تكون ذات بعد وطني شامل، لا أن ترتبط بانتماء اجتماعي بعينه.
وفي خضم هذا الجدل، دخل حراك النهوض الشبابي على خط النقاش، معلناً رفضه القاطع لكل الدعوات والمقترحات التي من شأنها تكريس التفرقة بين الموريتانيين أو دسترتها، ومشدداً على أن معالجة الغبن والظلم التاريخي لا تكون بإنتاج أشكال جديدة من التمييز، وإنما عبر سياسات عادلة وفعالة للإنصاف وتكافؤ الفرص.
ورحب الحراك بما وصفه بالإجابات «الصريحة والواضحة» للرئيس محمد ولد الغزواني خلال مؤتمره الصحافي الأخير، معتبراً أنها أكدت التزام الدولة بمحاربة الغبن والتهميش وإقامة دولة العدل والإنصاف. ودعا إلى توسيع سياسات التمييز الإيجابي الموجهة للفئات والمناطق الأكثر احتياجاً، عبر تعزيز برامج السكن الداخلي، وتخصيص مقاعد للمتفوقين المستفيدين من السجل الاجتماعي في كليات الطب ومدارس المهندسين، معتبراً أن هذه الإجراءات تمثل آليات عملية لتحقيق تكافؤ الفرص دون الحاجة إلى تعديلات دستورية قد تُفهم على أنها تكريس للانقسام.
معالجة المخلفات
ويأتي هذا السجال في وقت تؤكد فيه السلطات أنها اعتمدت خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الإجراءات لمعالجة مخلفات الرق والهشاشة الاجتماعية، من بينها تشديد الترسانة القانونية الخاصة بتجريم الاسترقاق، وإنشاء محاكم مختصة، إلى جانب برامج اجتماعية تنفذها وكالة «التآزر» لصالح الفئات الأكثر هشاشة، مع التأكيد على أن مكافحة الفقر والإقصاء تتم وفق معايير اجتماعية تشمل جميع المواطنين.
ويكشف تزامن هذه المبادرات والمواقف، مع اقتراب موعد الحوار الوطني، أن قضية الحراطين لم تعد مجرد ملف حقوقي، بل تحولت إلى أحد أبرز الاختبارات السياسية المطروحة أمام الحوار المرتقب. فبين من يدعو إلى إصلاحات دستورية وإجراءات استثنائية لتحقيق الإنصاف التاريخي، ومن يتمسك بمقاربة المواطنة والمساواة أمام القانون، يبدو أن النقاش يتجه أكثر فأكثر نحو البحث عن صيغة توفق بين ضرورات العدالة الاجتماعية ومتطلبات الحفاظ على الوحدة الوطنية.
وسيكون نجاح الحوار الوطني، إلى حد بعيد، رهناً بقدرته على إدارة هذا الملف الحساس، وبناء توافقات تستجيب لمطالب معالجة المظالم التاريخية، دون أن تفتح الباب أمام استقطابات جديدة قد تعمق الانقسامات داخل مجتمع يواجه تحديات تنموية واجتماعية متشابكة.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات