لو قدر لرحالة أن يكتب عن رحلة طويلة في الجزائر لقال إن البلاد يحكمها اثنان: المؤسسات التعليمية وفرق كرة القدم! فالاثنان وحدهما بمقدورهما إغلاق الطرقات أو فتحها، وتكاد البلاد تسير حسب توقيتهما لا غير.
فرض مونديال الولايات المتحدة الأمريكية أن تنشغل الجموع هذه المرة بالاثنين في وقت واحد. لا يبدو الغش أكثر ما يثير اهتمامات الجزائريين في النسخة الحالية من امتحانات البكالوريا، فقد أخذت العقوبات المترتبة عنه مناحي جدية، من سجن ومنع من الدراسة خلال السنوات الأخيرة، في حين ظلت بعض «العقوبات الجماعية» أو «الجماهيرية» لنقل، أكثر تأثيرا، على رأسها قطع الإنترنت الكلي أو الجزئي عن الجزائريين، عقوبة قد تجاوزها الجزائريون هذه السنة، رسمها إعلان وزير التربية صباح أول أيام أهم امتحانات البلاد، مؤكدا أنها ستقتصر على مراكز إجراء الامتحانات فقط: «الحمد لله لن نجتاز الامتحان معهم».
«وأخيرا انتبهوا أنه بالإمكان تحديد نطاق القطع»، «كيف لبلد بحجم بلدنا أن ينتبه متأخرا إلى تدبيرة كهذه؟». علق كثر، «أنا حزينة، لن يقطعوا الانترنت وسأضطر للعودة لمواقع التواصل، كنت أفكر بالإقلاع عنها، وانتظرت فرصة هذا الأسبوع» سخرت إحداهن!
الخبر السار لم يكن أكثر ما شغل اهتمام الجزائريين حول أهم أسبوع في حياة الملايين كل سنة، بل بحث عن القطيعة مع ممارسات تحولت إلى تقليد تكون قد رسخت صوره وسائل الإعلام وصفحات رقمية لغرض رفع المشاهدات: «يا جماعة لنقلع عن فائض الدراما هذه السنة»، «رجاء لكل تلاميذنا غدا امتحان مهم، انهضوا باكرا حتى ترحمونا من مشاهد الدموع أمام البوابات المغلقة». «المطلوب من القنوات التلفزية أن ترحمنا من سبور آرائها التقليدية».
الإقلاع عن الدراما فتح الباب أمام ممارسات جديدة: «الباك ووشينغ» على وزن «الغرين ووشينغ» و«الفيمنزم ووشينغ». فلم تكن الأجهزة الحكومية ومؤسساتها الوحيدة التي قررت تقديم خدمات خاصة بالتلاميذ المجتازين للامتحان كالنقل المجاني، وفتح أبواب المساجد للتلاميذ، بل تحول الأمر إلى فرصة تسويق مبتكرة للكثيرين.
هكذا تكاثرت إعلانات مؤسسات، محلات ألبسة وأطعمة، بل حتى حراس مواقف سيارات كلهم يعلنون «فتح أبوابهم لاستقبال، إطعام، وضمان راحة مجتازي الامتحان الأعظم».
على هامش الامتحانات شغلت صور الفريق الوطني المتجه نحو الولايات المتحدة الأمريكية لخوض مباريات المونديال اهتمامات تيار واسع: «علينا الثناء على المسؤول عن الاستراتيجية الاتصالية للفريق، إنهم يقدمون صورة مختلفة»، «لا تدعوا نتائج المباريات الودية تخدعنا، نملك فريقا جيدا، لكن ليس الأفضل» قرر أحد المؤثرين.
«ربحنا مباراة هولاندا بإمكاننا أن نربح الأرجنتين» علق آخر (لا أحد يعلم إن كان جادا في تفاؤله).
أما أكثر ما أثار السخرية فهو توقيت المباريات التي ستلعب كلها في عز نوم الجزائريين: «كيف سنشجع فريقنا، أنفعل ذلك صامتين؟» تردد تعليق، في حين تساءل أحد االمؤثرين: «لنفكر قليلا، لو ربحنا الأرجنتين – مثلا- هل سنخرج للاحتفال في الشوارع؟ وفي أي وقت؟ أنفعل ذلك في عز نوم إخوة لنا؟»!
غادة بوشحيط

تعليقات الزوار
لا تعليقات