أخبار عاجلة

أصحاب المبادرة في البرلمان الجزائري : مقترح تجريم الاستعمار رد على محاولات المساواة بين الضحية والجلاد

كشف مسؤولون عن صياغة مقترح قانون تجريم الاستعمار في الجزائر عن الدوافع الكامنة وراء هذه الخطوة، معتبرين أنه يأتي رفضًا لمنطق المساواة بين الضحية والجلاد، وتكريسًا لحق الشعب الجزائري في الإنصاف التاريخي وصون ذاكرته الوطنية من أي تشويه أو طمس.

وفي اجتماع ترأسه يونس حريز، رئيس لجنة الدفاع الوطني بالمجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان)، قُدّم عرض مفصل لمقترح قانون يتعلق بتجريم الاستعمار وذلك بحضور زهير ناصري، رئيس المجموعة البرلمانية لحزب جبهة التحرير الوطني، وأعضاء اللجنة.

وخلال افتتاحه أشغال الاجتماع، أوضح رئيس لجنة الدفاع الوطني أن هذا المقترح يعكس وعيًا جماعيًا متقدمًا لدى الشعب الجزائري من خلال ممثليه المنتخبين، ويترجم تمسك الدولة بخيار صيانة الذاكرة الوطنية باعتبارها ركيزة أساسية من ركائز المشروع الوطني.

وأشار حريز إلى أن مقترح قانون تجريم الاستعمار الفرنسي يأتي وفاءً لتضحيات الشعب الجزائري عبر مختلف المراحل التاريخية، وتجسيدًا للالتزام الدستوري بحماية الذاكرة الوطنية، استنادًا إلى المبادئ التي أرساها بيان أول نوفمبر 1954، وإلى ديباجة دستور 2020 التي أكدت واجب الدولة في صون الذاكرة والوفاء للشهداء والتمسك بقيم الثورة التحريرية.

وشدد رئيس اللجنة على أن الاستعمار الفرنسي لم يكن مجرد وجود إداري أو مرحلة تاريخية عابرة، بل كان نظامًا قائمًا على الإخضاع والقهر والنهب الممنهج، وطمس الهوية الوطنية، وارتكاب انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

واعتبر أن المسعى التشريعي المقترح ينسجم مع القيم والمبادئ الدولية التي تُدين الظلم وترفض الإفلات من العقاب، مؤكدًا في الوقت ذاته أن تجريم الاستعمار لا يتعارض مع منطق الحوار أو التعاون بين الدول، بل يؤسس لعلاقات متوازنة قائمة على الاعتراف بالحقيقة، واحترام الذاكرة، والندية بين الأمم.

من جهته، قدم منسق لجنة صياغة مقترح القانون، فاتح بريكات، عرض أسباب المقترح، مبرزًا أنه جاء استجابة لواجب تحقيق العدالة التاريخية، وتخليدًا لأرواح الشهداء الذين سقطوا دفاعًا عن الجزائر في مواجهة الاستعمار الفرنسي.

وأوضح أن هذا النص يهدف إلى توثيق جسامة الانتهاكات التي ارتكبتها السلطات الاستعمارية في حق الشعب الجزائري، والتي تُصنف، وفق القانون الدولي، ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، باعتبارها من أخطر الجرائم التي لا تسقط بالتقادم.

وأضاف بريكات أن الحاجة باتت ملحّة لوضع آلية قانونية واضحة تُجرّم الاستعمار الفرنسي للجزائر، وتُحمّل الدولة الفرنسية المسؤولية القانونية عمّا اقترفته خلال الفترة الممتدة من 1830 إلى 1962، مشددًا على أن هذا التوجه ينبع من رفض صريح لأي طرح يسعى إلى المساواة بين الضحية والجلاد أو طيّ صفحة الماضي دون الاعتراف بالحقيقة.

وأوضح منسق لجنة الصياغة أن مقترح القانون يستند إلى مبادئ راسخة في القانون الدولي، تؤكد حق الشعوب في الإنصاف القانوني وتحقيق العدالة التاريخية، وعدم الإفلات من العقاب، كما يهدف إلى تثبيت المسؤوليات القانونية والأخلاقية، والمطالبة بالاعتراف الرسمي والاعتذار الصريح عن الجرائم المرتكبة، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا للمصالحة مع التاريخ وحماية الذاكرة الوطنية للأجيال القادمة.

ويشير مصطلح المساواة بين الضحية والجلاد، إلى خطاب اليمين الفرنسي بكل أطيافه الذي يحاول إنكار الجرائم الاستعمارية في الجزائرية او التقليل منها بمبرر أن العنف كان من كل الأطراف، وهو منطق مرفوض في الجزائر لأنه يضع على قدم المساواة معاناة الجزائريين الذين استبيحت أرضهم بالكولون الفرنسي المستعمر.

يذكر أن مقترح القانون يتضمن خمسة فصول تضم سبعًا وعشرين مادة، تتمحور حول تحديد أهداف النص التشريعي، وحصر جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وضبط الأحكام القانونية المتعلقة بمسؤولية الدولة الفرنسية عن ماضيها الاستعماري، إلى جانب آليات المطالبة بالاعتراف والاعتذار الرسميين، وإقرار أحكام جزائية تُجرّم تمجيد الاستعمار أو الترويج له بأي شكل من الأشكال.

وقبل يومين، ظهرت النسخة الأولية من مقترح قانون تجريم التي طال انتظارها والتي ستعرض على المجلس الشعبي الوطني الأسبوع المقبل لمناقشتها وتحويلها لمشروع قانون سيأخذ مساره نحو الاعتماد.

وفي مضمون النص، تؤسس المادة 1 للإطار المبدئي للقانون، من خلال التأكيد على أن الجزائر، استنادا إلى تضحيات شعبها وتمسكه بوحدته الوطنية وهويته الثقافية، تناهض الاستعمار بكل أشكاله وتدين ممارساته، وتلتزم بدعم الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى تصفيته.

أما المادة 3 فتمنح توصيفا قانونيا صريحا للاستعمار الفرنسي باعتباره “جريمة دولة”، وهو توصيف يحمل أبعادا قانونية وسياسية، لأنه يربط الانتهاكات بمسؤولية كيان سيادي، لا بأفعال معزولة. وتنسجم هذه المادة مع المادة 4 التي تلزم الدولة الجزائرية بالعمل على كشف الحقائق التاريخية المرتبطة بالاستعمار ونشرها، في تأكيد على مركزية الذاكرة والتوثيق في مقاربة هذا الملف.

ويُعد الفصل الخاص بجرائم الاستعمار من أكثر فصول المشروع تفصيلا، حيث تسرد المادة 5 قائمة واسعة من الأفعال التي تُصنّف كجرائم، بدءا من القتل العمد والهجمات العسكرية ضد المدنيين، وصولا إلى الاستخدام المفرط للقوة والأسلحة المحرمة دوليا، بما فيها زرع الألغام والتجارب النووية. ويبرز في هذا السياق إدراج التفجيرات النووية ضمن الجرائم، مع ما تحمله من أبعاد إنسانية وبيئية طويلة الأمد، وهو ما ينسجم مع الإشارة لاحقا إلى ضرورة تنظيف المواقع الملوثة وتعويض الضحايا.

ولا تقتصر المادة نفسها على الجرائم العسكرية، بل تمتد إلى الجرائم الاقتصادية والاجتماعية، مثل السطو على خزينة الدولة، والنهب الممنهج للثروات، ومصادرة الممتلكات، وفرض القوانين الاستثنائية على الجزائريين دون غيرهم. كما تسجل انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من تعذيب جسدي ونفسي، وتمييز عنصري، وحرمان متعمد من الحقوق الأساسية، والنفي والترحيل القسري، والاختطاف والإخفاء القسري، والاحتجاز خارج الأطر القانونية.

وتولي المادة 5 اهتماما خاصا بالانتهاكات الثقافية والدينية، من خلال تجريم تدنيس دور العبادة، والتنصير القسري، ومحاولات طمس الهوية الوطنية، إضافة إلى الاعتداء على حرمة الموتى والتنكيل برفاتهم، وهو ما يعكس شمولية المقاربة التي لا تحصر الجريمة في بعدها المادي فقط. وتُضاف إلى ذلك ممارسات مثل التجنيد الإجباري، وإنشاء محاكم خاصة دون ضمانات، واستخدام المدنيين كدروع بشرية.

وتأتي المادة 6 لتؤكد مبدأ عدم التقادم، حيث تنص صراحة على أن جرائم الاستعمار لا تسقط بالتقادم، بغض النظر عن صفة مرتكبيها أو أدوارهم، سواء كانوا فاعلين أصليين، أو شركاء أو محرضين أو منفذين لأوامر صادرة عن سلطات استعمارية. ويمنح هذا النص للقانون بعدا ردعيا وتاريخيا، باعتبار أن مرور الزمن لا يلغي المسؤولية. وتكمل المادة 7 هذا التوجه بتجريم كل صور التعاون مع السلطات الاستعمارية، واعتبارها خيانة عظمى، في سياق يربط بين الذاكرة الوطنية والمساءلة القانونية.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات