أخبار عاجلة

"معركة قضائية" على الأبواب استرجاع الأموال المهربة إلى الخارج

بقي ملف استرجاع الأموال المهربة إلى الخارج مغيبًا عن التناول الإعلامي لفترة طويلة، إلى أن أعادت السلطة طرحه كواحد من التزامات الرئيس منذ توليه مقاليد الحكم، لتفتح بذلك نقاشًا واسعًا حول أسباب تأخّره طيلة هذه السنوات والإجراءات القانونية المعقدة التي تحول دون ذلك في بعض دول العالم، وتعيد بناء أسئلة حول ما إذا كانت العودة إلى هذه الورقة لها مؤشرات تؤكد اقتراب حلحلتها، خاصة مع اقتراب موعد الرئاسيات المزمع إجراؤها العام المقبل.

وإن كانت الحكومة حققت تقدمًا في ملف استرجاع الأموال المنهوبة الموجودة بالجزائر بمصادرة الممتلكات والأموال المحجوزة من خلال تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في هذا الإطار، فإن المهمة تبقى صعبة ومعقدة بشأن الأموال الموجودة خارج البلاد والتي قد تحتاج إلى تحرّكات دبلوماسية وقضائية في آن واحد.

قال الرئيس تبون خلال إشرافه على لقاء مع رواد الأعمال الاقتصاديين في ختام أيام  المقاولاتية، بالمركز الدولي للمؤتمرات بالجزائر العاصمة إن الدولة ملتزمة باسترجاع الأموال المنهوبة المحوّلة وكذا العقارات التي تم اقتناؤها بطريقة غير قانونية في الخارج.

وتحدث تبون عن تجاوب الاتحاد الأوروبي الذي "أعطى موافقة مبدئية في هذا الإطار"، مبينًا أن العملية تتطلب "جهدًا وقد تستغرق وقتًا طويلًا"، لكن "الدولة عازمة على استرجاع الأموال المنهوبة بالتعاون الثنائي مع الدول الأوروبية".

وأبدى تبون رضاه عن جهود العدالة لاسترجاع أموال الدولة، قائلًا في هذا الإطار إن "العدالة قامت بدورها في استرجاع الأموال المنهوبة"، مشددًا على أن "الدولة تبقى حريصة على متابعة ومراقبة أموال البنوك العمومية بصفة دائمة".

في هذا السياق، أشار الخبير الاقتصادي أبو بكر سلامي في تصريح لـ"الترا جزائر"، إلى أن الرئيس تبون التزم ببذل كل الجهود لاسترجاع الأموال المنهوبة رغم أن "المهمة ليست سهلة، حيث يمكن استرجاع الأموال والمنقولات والأموال الموجودة في الجزائر، لكن الأموال والممتلكات والمجوهرات الموجودة بالخارج تظل عملية استعادتها صعبة".

معركة قضائية

في الأسابيع الماضية، تحدثت تقارير إعلامية مختلفة حول توقيف وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب المطلوب من العدالة الجزائرية لتورطه في قضايا فساد متعددة بمرسيليا الفرنسية، لكن "مدلل" نظام الرئيس السابق الراحل عبد العزيز بوتفليقة، سرعان ما قال إن ما تردد بهذا الشأن "لا صحة له"، مؤكدًا أنه يتنقل بكل حرية في فرنسا، وتأكّد أن السلطات هناك أنه لم تصدر أي مذكرة توقيف دولية بشأنه.

تثبت تصريحات بوشوارب صعوبة استرجاع الأموال المنهوبة في الخارج خاصة تلك الموجودة بباريس، بالنظر إلى أن النظام القضائي فيها نادرًا ما يُرجع الأموال التي دخلت إلى أراضيه حتى وإن أدين الشخص المتهم، حيث توجه تلك الممتلكات المصادرة إلى خزينة السلطات الفرنسية.

وفي 2020، قال وزير الاتصال السابق، الناطق الرسمي باسم الحكومة عمار بلحيمر إن هناك بلدان مثل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وألمانيا، تكون بشكلٍ عام مستعدة للتعاون من أجل إعادة الأموال المحوّلة، لكن في الوقت ذاته بعض الدول مثل فرنسا التي توجد بها "معظم الأموال الجزائرية"، تكون أكثر تساهلًا مع مثل هذه الأموال، وترفض إعادة المبالغ المالية إلى بلدانها الأصلية.

وبحسب بلحيمر، فإنّ القوانين الفرنسية "تشير إلى إمكانية استر جاع الأموال المحوّلة، ولكن ليس بإعادتها للبلدان الأصلية، وإنّما لضخها في الخزينة العمومية الفرنسية، أو في صندوق مخصّص لتمويل وكالة التعاون والمساعدة على التنمية".

لكن إن كان بوشوارب ما يزال حرًا طليقًا في باريس، فإن الأمور لا تسير معه بالشكل نفسه في سويسرا بعد ما استجاب القضاء هناك لمراسلات نظيره الجزائري، وأصدر قرارًا بتجميد الأرصدة المالية لبوشوارب، ببنك في جنيف، تمهيداً لاستعادة مبلغ 1.7 مليون يورو محل شبهة فساد، وفق ما ذكرت صحيفة "لوتون" السويسرية.

وأضافت الصحيفة أن قضاة محكمة بلنزون بمقاطعة كانتون، ثبتوا المساعدة القضائية التي طلبتها الجزائر من سويسرا، بخصوص التحفظ على كل ودائع الوزير الأسبق، مبينة أن مضمون الطلب الجزائري يخص شبهات رشى طالت صفقة شراء أقنية فولاذية.

وأوضحت أن هذا الملف "جزءٌ من بحث واسع عن أموال حولها كبار الشخصيات في النظام السابق".

 من جهته، قال الوزير الأول السابق أيمن بن عبد الرحمان خلال عرضه لبيان السياسة العامة أمام البرلمان إنه "بخصوص الشق المتعلق بأخلقة الحياة العامة، والوقاية من الفساد ومحاربته، فقد تم تعزيز التعاون في ميدان تحصيل الأموال المنهوبة، من خلال مواصلة تنفيذ قرارات العدالة النهائية لمُصادرة الأموال المنهوبة، وتنفيذ الاتفاقات الدولية والإنابات القضائية لتحديد الأموال المهربة إلى الخارج وحجزها ومصادرتها".

وجاء في بيان السياسة العامة أنه قد تم "في هذا الإطار توجيه 259 إنابة قضائية دولية (40 منها منذ سنة 2022) وسبع طلبات مساعدة قضائية إلى 31 بلدًا، لتحديد الأموال المنهوبة وحجزها وتجميدها بغرض مصادرتها، كما تم التنفيذ الجزئي لـ 62 إنابة قضائية دولية لتحديد الأموال المنهوبة وتجميدها".

إلى هنا، لفت الخبير الاقتصادي أبو بكر سلامي في حديثه مع "الترا جزائر" إلى أن "بعض الدول تتجاوب بسهولة مع الإنابات التي رفعتها الجزائر، إلا أن دولًا أخرى لها قوانين صعبة ومعقدة، وتطلب ملفًا ثقيلًا ومفصلًا من العدالة الجزائرية للموافقة على إناباتها".

وتابع سلامي"بل توجد بعض الدول من لها تشريعات تحمي من ينقلون هذه الأموال إليها، إضافة إلى أنها ليست موقعة على مواثيق دولية في هذا الإطار ولا تربطها اتفاقات قضائية ثنائية مع الجزائر، لذلك ما تزال بعض الدول منذ 20 سنة تطالب باسترجاع أموالها المهربة بالخارج، وهو ما يفرض على الجزائر تقديم ملف قضائي ثقيل والقيام بعمل دبلوماسي مكثف".

 أهمية

لا تقتصر أهمية تحقيق الرئيس تبون لنجاحات في استرجاع الأموال المنهوبة على شقه القضائي والاقتصادي فقط، إنما يمثل ذلك أهمية للرئيس تبون في حال ما قرر الترشح لولاية رئاسية جديدة في الاقتراع الذي سيجرى بعد عام من الآن.

وقال الخبير الاقتصادي أبو بكر سلامي إنه مما لا شك فيه أنه لو كلّلت هذه الجهود باسترجاع أموال ذات قيمة ستعطي للرئيس تبون والحكومة والدبلوماسية الجزائرية والعدالة قوة أكبر، بالنظر إلى أن هذه القضية تهم كل الجزائريين، وحراك 22 شباط فيفري 2019 جاء للتنديد بالفساد السياسي والمالي ولمحاسبة من نهب الأموال العمومية.

وأشار سلامي أن حرص تبون على استرجاع الأموال المنهوبة يصب في إثبات أن الحكومات التي نصبها طيلة خمس سنوات قامت بعملها لاسترجاع هذه الأموال.

وكان الرئيس تبون قد قال في إحدى مقابلاته التلفزيونية إن قيمة الأموال المسترجعة على مستوى الداخل قد تعدت 20 مليار دولار، فيما تبقى قيمة الأموال المسترجعة من الخارج غير معروفة، والتي تظلّ أقل مما تم استعادته محليًا.

اضف تعليق

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات