"الحراك الجنوبي" في الجزائر – كما يحلو لبعض المتابعين تسميته – لم يكن حدثا مفاجئا برز إلى الوجود من العدم ، فحجم الإخفاقات الكبيرة في التسيير السياسي و التنمية الإقتصادية و الإجتماعية ولّدت أكثر من بركان مستعد للإنفجار في أي لحظة ، في مختلف ربوع الوطن .
و بدل تسيير عقلاني و خطوات عملية لإحتواء غضب الغاضبين ، و هو غضب مشروعٌ يكاد يصل إلى درجة "الوجوب"، تتفنن السلطات في ممارسة هوايتها المفضلة : "الإدارة بالأزمات" و ليس "إدارة الأزمات" . و هو ما سيفتح أكثر من جبهة قد تجعل الخرق يتّسع على كل ترقيع .
راهن كثيرون منذ "ثورة الياسمين" التونسية على هبوب عواصف التغيير في الجزائر . فبعد هروب زين العابدين بن علي اشرأبّت الأعناق صوب الجزائر التي شهدت إحتجاجات سرعان ما تم الإلتفاف عليها و سميت حينها – تسفيها – " إحتجاجات الزيت و السكر "، لكنّ الرياح توجهت شرقا إلى أرض الكنانة ، ثم غرّبت في ليبيا ، فالمغرب ، و شرقت مرة أخرى في اليمن و سوريا . و هي في كل محطة تعصف بالأنظمة لكنها لم ترسُ بعد على أساس متين يقيم دعائم الدول التي يتطلّع أهلها إلى الكرامة و الحرية .
التغيير في الجزائر على إيقاع الربيع العربي أمرٌ أستُبعد حدوثه بسبب عمق المأساة المتجذّرة في وعي الجزائريين – و لا وعيهم – حول مشكلات إنفلات الأمن و رجوع الجزائر إلى دوامة العنف ، و تجارب ليبيا (حرب خارجية) و سوريا (حرب أهلية) جاءت لتزيد تأكيد هذه المخاوف ، و هذا ما تُدركه السلطة جيدا لهذا تنتهج خطة إصلاح بالقطرة ، و قد لا يكون لها من الإصلاح إلا الإسم .
عندما أحس النظام الجزائري بقرب العاصفة ، تدخّل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة و أكد للجزائريين بداية عهد إصلاحات جديد ، و ربط المسؤولون بين الإنتخابات التشريعية و بين المحطات الحاسمة في تاريخ الجزائر : ثورة نوفمبر 1954 و إستفتاء تقرير المصير في مارس 1962، و أفهموا الشعب أن إدارة الظهر للمشهد الإنتخابي (عزوفا و مقاطعة) تعني تحطيم الوطن . و تم إيهام الرأي العام أن كل دعوات التغيير مفادها التآمر ضد الجزائر و إرجاعها عقودا إلى الوراء .
تَوجَّس النظام من فضائيات كان بإمكانه تأسيس عشرات مثلها ، و بدل فتح نقاش وطني صريح تساهم فيه كل أطياف المجتمع ، فُتح الباب أمام مشاورات شكلية لم تقُد إلى أي حلول عملية . أثناء ذلك حاول النظام إستدراك موقفه من "ربيع" الجيران ، فإستدعى الشيخ راشد الغنوشي و وزراء المغرب الإسلاميين ، و طبّع علاقاته مع المجلس الإنتقالي الليبي ، و تم الحديث عن بعث مشروع الإتحاد المغاربي، و قد أوحت السفريات الكثيرة للوزراء الجزائريين إلى المغرب و العكس بوجود أرضية مشتركة تؤسس لإنطلاقة جديدة . و فُتح المجال أمام تجديد العناوين الحزبية التي تكاثرت كالفطريات ، و قد منّى الإسلاميون أنفسهم بالإستفادة من رياح التغيير فتجمعوا في "تكتّل أخضر" كان حصاده هشيما ، لأن قادة المشروع الإسلامي السياسي أنفسهم " كهشيم المُحتظِر " . لم تكن السلطة جادّة فيما تقوم به ، بل كانت تسعى لتأجيل فصل الربيع و الإنحناء أمام العاصفة لحين مرورها لا غير .
قدّمت الإنتخابات التشريعية دليلا قاطعا على أن النظام غير جاد في الإصلاح ، و جاءت نتيجة الإنتخابات التي كرّست الوضع القائم بتمكين أكثر لأحزاب الريع التي تقتات على الإرث الوطني لتؤكد أن الجزائر تسير عكس التيار ، حيث تقود السلطة ربيعها ضد الشعب ، و ليس العكس .
بروز شبح القاعدة في الساحل بشكل كبير ثم الإستيلاء على شمال مالي ، و الإنفلات الأمني على الحدود الليبية بعدما إستفاد المسلحون من أسلحة ثقيلة ، و ضعف دول الساحل في مواجهة أنصار الدين و حركة التوحيد و الجهاد ، جعل العالم الغربي يصل إلى قناعة مفادها أن الإستقرار في الجزائر مهم للمنطقة كلها ، بما فيها أوروبا ، فلو تلاشت الجزائر فإن خطر الإرهاب سيطال شمال المتوسط و المصالح الغربية في دول الساحل بسهولة أكبر . كانت تلك الصفقةَ مقابل تزكية المجموعة الدولية كلها للإنتخابات الجزائرية التي يُدرك الجزائريون أنفسهم أنها فاقدة للمصداقية و لا تمثّلهم . و عززت الأزمة الإقتصادية موقف الجزائر التي بدأت تعقد الصفقات الكبيرة مع فرنسا و إسبانيا و إيطاليا و ألمانيا و الولايات المتحدة الأمريكية و تُقرض صندوق النقد الدولي ، و بدا و كأن العاصفة مرّت على "الجزائر المحروسة" بسلام .
لو أردنا أن نعمل جردا لقائمة الفشل في التسيير الداخلي و الخارجي ، لرصدنا جملة من الإخفاقات المتكررة في إدارة السياسة الخارجية مثل تصريحات مدلسي حول الهوية الفرنسية للجزائريين و أداء الدبلوماسية الهش و المتناقض أمام الحراك العربي ، و الإخفاقات الداخلية في مواجهة المطالب الإجتماعية مثل تصريحات سلال حول "شرذمة" المحتجين في الجنوب ثم براءته منها ، و الإخفاق في تسيير الملف الأمني الذي أدى إلى ضرب الجزائر في قلبها النابض في (تيقنتورين) و الفشل في حماية دبلوماسييها الذين كانوا على خط تماس مع جماعات إرهابية تجاهر بعدائها للجزائر ، و الإخفاق في التواصل مع الشعب حول إتخاذ قرارات مصيرية تؤثر على الأمن القومي مثل فتح المجال الجوي أمام الطائرات الفرنسية ( و يعرف الجزائريون ذلك عن طريق الفرنسيين ! ) ، ثم الفشل في الحفاظ على الأمن الحضري و إنتشار ذئاب بشرية تنتهك أعراض الأطفال و تزهق أرواحهم ، و بروز فضائح المسؤوليين الجزائريين الذين ينهبون ثروات الجزائر و لا تجرؤ السلطات على محاسبتهم و ردعهم ، و الإخفاق في إحتواء إنفجار الجبهة الإجتماعية التي تشهد إحتجاجات يومية في مختلف الأسلاك الوظيفية بما فيها قوات الدفاع الذاتي ! ثم الفشل في التنمية رغم الوضع المالي المريح . هذا دون أن ننسى الفشل – إلى حد الآن – في إعتماد إصلاح داخلي جدّي يقود إلى إنتقال آمن للسلطة لا يمس بمؤسسات الدولة و يُجنّب الجزائر عشرية حمراء أخرى . و ها هو فشل آخر أخطر يأتينا تحت عباءة الجهوية : جنوبا و شمالا، بما يهدد وحدتنا الوطنية المقدّسة !
أمام السلطة الآن خياران : أن تحتوي الأزمة الفتيّة بتجسيد تنمية حقيقية في جميع مناطق الجزائر و تعتمد الشفافية مبدأ في التسيير ، و تستمع لنبض الشارع . أو أن تحاول الإلتفاف على الأزمة لربح الوقت و تجعل من قضية الجنوب مجرد نسخة طبق الأصل عن " أزمة العروش " في مطلع الألفية الثالثة ، و تخلق " عبريكا " جديدا و أجنحة متصارعة تدفع الجزائريين جميعا إلى الكفر بكل تغيير سلمي ممكن .
هذا ما جعل شباب الجنوب يثورون و يحتجون ، و معهم كل قلب نابض في شمال الجزائر و شرقها و غربها فالجزائر على وقع التهميش و الإقصاء و فقدان التنمية الجادة و إحترام الشعب و التلاعب بثرواته و التسلط عليه و التعامل معه كقاصر لا يُحسن التدبير لنفسه : كلّها جنوب .
و بدل تسيير عقلاني و خطوات عملية لإحتواء غضب الغاضبين ، و هو غضب مشروعٌ يكاد يصل إلى درجة "الوجوب"، تتفنن السلطات في ممارسة هوايتها المفضلة : "الإدارة بالأزمات" و ليس "إدارة الأزمات" . و هو ما سيفتح أكثر من جبهة قد تجعل الخرق يتّسع على كل ترقيع .
راهن كثيرون منذ "ثورة الياسمين" التونسية على هبوب عواصف التغيير في الجزائر . فبعد هروب زين العابدين بن علي اشرأبّت الأعناق صوب الجزائر التي شهدت إحتجاجات سرعان ما تم الإلتفاف عليها و سميت حينها – تسفيها – " إحتجاجات الزيت و السكر "، لكنّ الرياح توجهت شرقا إلى أرض الكنانة ، ثم غرّبت في ليبيا ، فالمغرب ، و شرقت مرة أخرى في اليمن و سوريا . و هي في كل محطة تعصف بالأنظمة لكنها لم ترسُ بعد على أساس متين يقيم دعائم الدول التي يتطلّع أهلها إلى الكرامة و الحرية .
التغيير في الجزائر على إيقاع الربيع العربي أمرٌ أستُبعد حدوثه بسبب عمق المأساة المتجذّرة في وعي الجزائريين – و لا وعيهم – حول مشكلات إنفلات الأمن و رجوع الجزائر إلى دوامة العنف ، و تجارب ليبيا (حرب خارجية) و سوريا (حرب أهلية) جاءت لتزيد تأكيد هذه المخاوف ، و هذا ما تُدركه السلطة جيدا لهذا تنتهج خطة إصلاح بالقطرة ، و قد لا يكون لها من الإصلاح إلا الإسم .
عندما أحس النظام الجزائري بقرب العاصفة ، تدخّل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة و أكد للجزائريين بداية عهد إصلاحات جديد ، و ربط المسؤولون بين الإنتخابات التشريعية و بين المحطات الحاسمة في تاريخ الجزائر : ثورة نوفمبر 1954 و إستفتاء تقرير المصير في مارس 1962، و أفهموا الشعب أن إدارة الظهر للمشهد الإنتخابي (عزوفا و مقاطعة) تعني تحطيم الوطن . و تم إيهام الرأي العام أن كل دعوات التغيير مفادها التآمر ضد الجزائر و إرجاعها عقودا إلى الوراء .
تَوجَّس النظام من فضائيات كان بإمكانه تأسيس عشرات مثلها ، و بدل فتح نقاش وطني صريح تساهم فيه كل أطياف المجتمع ، فُتح الباب أمام مشاورات شكلية لم تقُد إلى أي حلول عملية . أثناء ذلك حاول النظام إستدراك موقفه من "ربيع" الجيران ، فإستدعى الشيخ راشد الغنوشي و وزراء المغرب الإسلاميين ، و طبّع علاقاته مع المجلس الإنتقالي الليبي ، و تم الحديث عن بعث مشروع الإتحاد المغاربي، و قد أوحت السفريات الكثيرة للوزراء الجزائريين إلى المغرب و العكس بوجود أرضية مشتركة تؤسس لإنطلاقة جديدة . و فُتح المجال أمام تجديد العناوين الحزبية التي تكاثرت كالفطريات ، و قد منّى الإسلاميون أنفسهم بالإستفادة من رياح التغيير فتجمعوا في "تكتّل أخضر" كان حصاده هشيما ، لأن قادة المشروع الإسلامي السياسي أنفسهم " كهشيم المُحتظِر " . لم تكن السلطة جادّة فيما تقوم به ، بل كانت تسعى لتأجيل فصل الربيع و الإنحناء أمام العاصفة لحين مرورها لا غير .
قدّمت الإنتخابات التشريعية دليلا قاطعا على أن النظام غير جاد في الإصلاح ، و جاءت نتيجة الإنتخابات التي كرّست الوضع القائم بتمكين أكثر لأحزاب الريع التي تقتات على الإرث الوطني لتؤكد أن الجزائر تسير عكس التيار ، حيث تقود السلطة ربيعها ضد الشعب ، و ليس العكس .
بروز شبح القاعدة في الساحل بشكل كبير ثم الإستيلاء على شمال مالي ، و الإنفلات الأمني على الحدود الليبية بعدما إستفاد المسلحون من أسلحة ثقيلة ، و ضعف دول الساحل في مواجهة أنصار الدين و حركة التوحيد و الجهاد ، جعل العالم الغربي يصل إلى قناعة مفادها أن الإستقرار في الجزائر مهم للمنطقة كلها ، بما فيها أوروبا ، فلو تلاشت الجزائر فإن خطر الإرهاب سيطال شمال المتوسط و المصالح الغربية في دول الساحل بسهولة أكبر . كانت تلك الصفقةَ مقابل تزكية المجموعة الدولية كلها للإنتخابات الجزائرية التي يُدرك الجزائريون أنفسهم أنها فاقدة للمصداقية و لا تمثّلهم . و عززت الأزمة الإقتصادية موقف الجزائر التي بدأت تعقد الصفقات الكبيرة مع فرنسا و إسبانيا و إيطاليا و ألمانيا و الولايات المتحدة الأمريكية و تُقرض صندوق النقد الدولي ، و بدا و كأن العاصفة مرّت على "الجزائر المحروسة" بسلام .
لو أردنا أن نعمل جردا لقائمة الفشل في التسيير الداخلي و الخارجي ، لرصدنا جملة من الإخفاقات المتكررة في إدارة السياسة الخارجية مثل تصريحات مدلسي حول الهوية الفرنسية للجزائريين و أداء الدبلوماسية الهش و المتناقض أمام الحراك العربي ، و الإخفاقات الداخلية في مواجهة المطالب الإجتماعية مثل تصريحات سلال حول "شرذمة" المحتجين في الجنوب ثم براءته منها ، و الإخفاق في تسيير الملف الأمني الذي أدى إلى ضرب الجزائر في قلبها النابض في (تيقنتورين) و الفشل في حماية دبلوماسييها الذين كانوا على خط تماس مع جماعات إرهابية تجاهر بعدائها للجزائر ، و الإخفاق في التواصل مع الشعب حول إتخاذ قرارات مصيرية تؤثر على الأمن القومي مثل فتح المجال الجوي أمام الطائرات الفرنسية ( و يعرف الجزائريون ذلك عن طريق الفرنسيين ! ) ، ثم الفشل في الحفاظ على الأمن الحضري و إنتشار ذئاب بشرية تنتهك أعراض الأطفال و تزهق أرواحهم ، و بروز فضائح المسؤوليين الجزائريين الذين ينهبون ثروات الجزائر و لا تجرؤ السلطات على محاسبتهم و ردعهم ، و الإخفاق في إحتواء إنفجار الجبهة الإجتماعية التي تشهد إحتجاجات يومية في مختلف الأسلاك الوظيفية بما فيها قوات الدفاع الذاتي ! ثم الفشل في التنمية رغم الوضع المالي المريح . هذا دون أن ننسى الفشل – إلى حد الآن – في إعتماد إصلاح داخلي جدّي يقود إلى إنتقال آمن للسلطة لا يمس بمؤسسات الدولة و يُجنّب الجزائر عشرية حمراء أخرى . و ها هو فشل آخر أخطر يأتينا تحت عباءة الجهوية : جنوبا و شمالا، بما يهدد وحدتنا الوطنية المقدّسة !
أمام السلطة الآن خياران : أن تحتوي الأزمة الفتيّة بتجسيد تنمية حقيقية في جميع مناطق الجزائر و تعتمد الشفافية مبدأ في التسيير ، و تستمع لنبض الشارع . أو أن تحاول الإلتفاف على الأزمة لربح الوقت و تجعل من قضية الجنوب مجرد نسخة طبق الأصل عن " أزمة العروش " في مطلع الألفية الثالثة ، و تخلق " عبريكا " جديدا و أجنحة متصارعة تدفع الجزائريين جميعا إلى الكفر بكل تغيير سلمي ممكن .
هذا ما جعل شباب الجنوب يثورون و يحتجون ، و معهم كل قلب نابض في شمال الجزائر و شرقها و غربها فالجزائر على وقع التهميش و الإقصاء و فقدان التنمية الجادة و إحترام الشعب و التلاعب بثرواته و التسلط عليه و التعامل معه كقاصر لا يُحسن التدبير لنفسه : كلّها جنوب .

تعليقات الزوار
لا تعليقات