أخبار عاجلة

الجزائر المعاصرة

الجزائر وطن قائم في العالم الراهن، بالقدر الذي اسْتَوْفى وجوده التاريخي ووَثَّق حُضوره الشّرعي من خلال مقاومة الاستعمار الفرنسي، وحقَّق بسبب ذلك استقلالا سياسياً، أكَّد الشّرعية الوطنية والدولية في آن معاً. فقوة الرَّاهن في حياتنا المعاصرة تؤكد المدى الطويل لتاريخ الشعوب والمجتمعات، ومن ثم فأي استقلال لها، فهو يندرج في هذا الزمن الذي يختصر كل تاريخ وجودها، وليس الحديث والمعاصر فقط. ففي حالة الجزائر المعاصرة، فقد سبق لها أن أكَّدت زمن الاحتلال الفرنسي، أن هذا الاحتلال هو استعمار لأمة موجودة وقائمة تبحث فقط عن صيغة استقلال، من أجل أن تتواصل مع سائر الأمم والشعوب في عالمنا المعاصر.
استقلال الجزائر عن الاستعمار الفرنسي، عام 1962، هو تحرير لتاريخها لمِاَ قبل الاستعمار أيضا، الذي عرفت به زمن الاحتلال، وصنعت به شرعيتها التي لا تَقْبَل الافتئات ولا التنازل، أو أي انتهاك آخر لإقليمها الذي حررته وفق القوانين الدولية ووصايا الأمم المتحدة.

الزمن الرَّاهن يحمل معه قوة الوضع الوطني مع الدولي، أي الشرعية الوطنية مع الشرعية الدولية، وما يترتب شرعا عن كيان سياسي يوجد في الوقت الراهن مثل حالة الجزائر المستقلة، أن أي تفكير في ترتيب كيان آخر هو غير قابل للتنفيذ ومستحيل أصلا، لأنه محصّن من أعمدة ومقومات قانونية من الداخل والخارج، وكل مسعى الى تفتيت وتقسيم وتشرذم، هو مغامرة لفتنة داخلية لا غير، يبقى دائما الوطن قائما. والدولة الجزائرية، طوال عهدها بالاستقلال ظل نظامها القانوني الداخلي يستقبل التشريعات الدولية، ليؤكد حقيقة جديدة وهي، أن المواطن يستمد أيضا حق المواطنة من الشرعية الدولية، ولعلّ حق التنقل وحرية الخروج والدخول وسياسات التعاون وحمل جنسيات أخرى، هي أحد مظاهر الشرعية الدولية المعاصرة. عندما يكون كيان سياسي قائم وفق ما جرى للجزائر المستقلة عام 1962، لا يمكن إعادة احتلاله من جديد، وأن أي ترسانة عسكرية أو خطابات دعائية وأيديولوجية تناهض عدوا خارجيا، هي دعوات إلى فتن داخلية وانسياق إلى مزالق وخيمة النتائج، على ما شهدنا طوال عهود إدارة وتسيير البلد بالأحكام العرفية، وحالات الطوارئ والعشرية السوداء، وما تلاها من فساد مالي وسياسي.. فالبحث عن الجزائر في التاريخ، هو تعطيلٌ لها عن صناعة تاريخها الرَّاهن الذي يكثف كل التاريخ، ولا يلغي مراحله أبدا، فضلا عن أن البحث عن التاريخ هو تشكيك غير واع لأحقية الاستقلال عبر المقاومة والكفاح السياسي منه والمسلح.
السياسة الداخلية والسياسة الدولية وجهان لحالة قانونية واحدة، ما دام النظام الداخلي يتواصل مع التشريعات الدولية، وفق آلية الاستقبال والتَّبني. وأن أي تضييق على القوانين الدولية هو انتقاص أيضا من السيادة الداخلية، وانتهاك النظام الدولي، خاصة لمّا يتعلق الأمر بدولة خاض شَعْبُها أعظم ثورة في التاريخ المعاصر، أي أنها أمَّة تستمد قوَّتها من الرّاهن بكل ما يحْمِل من زخم السياسة والدبلوماسية والحروب والثورات وآفاق التنمية والتطور، ومساعي فض النزاعات والسعي الدائم الى إقرار الأمن وإرساء السلام في كل العالم. وهذا أيضا تُراث، يجب ألاَّ تتنكر له الدولة، لأنه يعبر عن خاصيتها الراهنة ويصدر من صلب تاريخها المعاصر الذي يزاحمها في الصح والخطأ.
الجزائر وطن معاصر قائم، لا يحتاج البحث عنه في التاريخ، لأنه يستند إلى شهادة ميلاد كرَّستها حركة مقاومة سياسية ومسلحة، وحرب تحرير واعتراف أممي. وكل تاريخ مقاومة الاستعمار هو تعريف به، وتعريف بتاريخ الجزائر كأمة وشعب ومجتمع، يدفع دائما الى استحقاق الاستقلال والحرية والسيادة، ليس للجزائر فحسب، بل يصَنع المنوال الذي يجب أن تحتذي به كل الوحدات السياسية التي تُشَكِّل المجتمع الدولي لما بعد نشأة هيئة الأمم المتحدة. قوة الرَّاهن هي التي يجب أن تنبه بعض الدول، ومنها الجزائر، الى أن زمن تأكيد السيادة حيال الخارج والأجنبي لم تعد ذات جدوى، بل تجاوزها التاريخ المعاصر، الذي يستبطن لحظات العصر في كل جوانبه وتفاصيله، بالقدر الذي يجب عدم اللعب بالسيادة عندما تعني حق المواطنين في الوطن الذي لا يقبل التمليك والاستغلال، ليس بمعايير القوانين التي توضع في الداخل فحسب، بل بمعايير القانون الدولي وإجراءاته العادلة التي تَوافَقت عليها كل شعوب الأمم المتحدة، بالمعنى المتداول في ميثاقها المؤسس لهيأتها لعام 1945.
عندما نُحْسن المقابلة بين الداخل والخارج، ونوفِّق في فهم نصيب كل واحد منهما في احْكَام شرعية الدولة، وعدم المجازفة فيها في خيارات صعبة وخطيرة، نستطيع أن نوفّق أيضا في الحفاظ على سلامة الوطن وترقيته الى دولة ذات سيادة ليس للسلطة، بل للمواطن الذي يجب أن لا يكُف عن التَّمتع بكل خصائص ومقدرات الوطن وبالقدر يصبح المواطن من الوطن، والوطن من المواطن. وما يؤسف له حقّا، أن هذا المعنى من السيادة والاستقلال والحق في العيش الهانئ في الوطن، يكاد يكون غائبا من أفق الدولة الجزائرية، التي آلت إلى الأخذ من رصيدها التاريخي، والانفراد في النيل منه على حساب هياكل مؤسسات النظام ذاته، من نوع من «يخربون بيوتهم بأيديهم»، وأحاول أن أشرح على النحو التالي:
*عندما لا يبقى من قضايا الأمة والوطن والدولة إلا تنشيط ذاكرة بعض من شارك في الثورة التحريرية، ليبحث فقط عمَنْ قَتَل مَنْ، ومَنْ اعْتَقل مَنْ، ومَنْ بلَّغ بِمن، ومَنْ «بَاع» من، وليس أخيرا من ارْتَمى في حَضْن العدو.. عندما يطغى هذا السّجال، كنوع من تبكيت الضمير، أو إبراء ذمة، بل حتى إلى التزييف والتحريف، معنى ذلك أننا نَنسف آخر ما بقي من الرصيد الإيجابي، ليس للثورة أو حرب التحرير الكبرى، بل من مُقَوّمات النظام السياسي نفسه الذي كان ولا يزال يعيش من ريع تاريخ الجزائر المعاصر، الذي ينطوي على الشرعية الوطنية والشرعية الدولية كليهما.
*عندما يؤكد تاريخ الجزائر المعاصرة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، أن الدِّين يجب ان يرتبط بالدولة ومؤسساتها، على النحو الذي سلكته حركة إصلاحية دخلت الحداثة بكل مدلولاتها التي تعني اللحظة الرّاهنة، وما يمكن أن يترتب عليها، أي أنها قابلة للتواصل مع مؤسسات الوطن والمواطن، وليس مع النّظم الطرقية والنزعات المذهبية، والشيخ وأولاد الشيخ، ولا مع المنطقة والزاوية والمَرَابط والمُشَعْوَذ السّفيه.. فالحركة الإصلاحية هي الرّافد الآخر للحركة الوطنية بكل تياراتها وتعبيراتها التي ترمي الى نهضة الوطن وتقدم الدولة عبر النزاهة والأخلاق والالتزام.
* أخير، ولعّله أوّلا، أن النظام يتفرج على السِّجال الفاسد لاغتيال الثورة، كما يحضر متواطئا على هزيمة الدين، ويعمل في وجه ثالث على تدمير إيكولوجي رهيب يرتقي إلى نوع من الخراب المطلق، الذي يأتي على الأخضر واليابس، في شبه لامبالاة ترادف الهزيمة والإخفاق في إدارة وتسيير البلد، شواهده من مؤشرات وفيات حوادث المرور التي أضحت بالجملة، والحرائق التي تعادل نتائج حروب مسلحة، واستنزاف خيرات البلد التي ترتقي الى حالة «استعمار وطني»، لأنها تُعَبِّر كلها عن حالة تَنْمِية الفَسَاد وتعميمه على ما يؤشر إليه منسوب اكتظاظ السُّجون، وزيادة رهيبة في نسبة السرقات وعدد قوات الأمن، واستشراء ثقافة الموت وأخبار المحاكم وأروقة القضاء وتداول المخدرات.. ومظاهر الطيش والرّعونة والأوساخ وقَذَارة الأحياء وبشاعة المدن..

د. نورالدين ثنيو

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات