أخبار عاجلة

واشنطن تتمسك بخريطة البعثة الأممية

بينما تتزاحم المبادرات الدولية فوق طاولة الأزمة الليبية، وتحاول القوى المحلية تثبيت مواقعها قبل أي تسوية محتملة، جددت الولايات المتحدة إعلان دعمها لخريطة الطريق التي تقودها بعثة الأمم المتحدة، في موقف بدا أقرب إلى محاولة تأكيد أن التحركات الأمريكية الأخيرة لا تمثل مساراً موازياً أو منافساً للمسار الأممي، رغم استمرار التساؤلات بشأن طبيعة التفاهمات التي يجريها مسؤولون أمريكيون مع أبرز مراكز القوى في شرق البلاد وغربها.
وقال مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، إن واشنطن تدعم جهود بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الرامية إلى توحيد الحكم وإجراء انتخابات وطنية، مؤكداً أن هذه الجهود تندرج ضمن مساعي تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
وأوضح بولس، في تدوينة نشرها عقب مشاركته في قمة الإعلام العربي في دبي، أنه ناقش الجهود الأمريكية المتعلقة بليبيا والسودان، مشيراً إلى أن الإدارة الأمريكية تؤيد خريطة الطريق الأممية الهادفة إلى الوصول إلى سلطة موحدة، تمهد لإجراء انتخابات تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة.
وفي الملف السوداني، قال بولس إن المناقشات تناولت الجهود الأمريكية للدفع نحو هدنة إنسانية، وضمان وصول المساعدات من دون عوائق، ووقف الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، وصولاً إلى انتقال سياسي شامل بقيادة مدنية. وربط هذه التحركات بما وصفه بالسجل الأوسع للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في العمل على إنهاء النزاعات حول العالم.
تقاسم للسلطة
لكن الجزء المتعلق بليبيا حمل دلالات تتجاوز مجرد إعلان الدعم للمسار الأممي، إذ جاء في وقت تواجه فيه المبادرة الأمريكية التي يقودها بولس انتقادات بسبب اعتمادها على مفاوضات مباشرة مع القوى المهيمنة في شرق ليبيا وغربها، وما يثار عن سعيها إلى التوصل إلى صيغة لتقاسم السلطة بين معسكري طرابلس وبنغازي.
وتفيد تقارير وتحليلات غربية بأن التصور الأمريكي المتداول يقوم على توحيد المؤسسات والسلطة التنفيذية، بالتوازي مع ترتيبات أمنية واقتصادية، إلا أن منتقديه يخشون أن يؤدي إلى إعادة توزيع المناصب بين النخب القائمة، بدلاً من تفكيك أسباب الانقسام وتهيئة البلاد لانتخابات رئاسية وبرلمانية شاملة.
وتضمنت المقترحات المتداولة، التي لم تعلن واشنطن اعتمادها رسمياً، بقاء رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة على رأس الحكومة، مقابل تولي نائب قائد «القيادة العامة»، صدام حفتر، قيادة المجلس الرئاسي. وهو ترتيب أثار مخاوف من تكريس صيغة جديدة لتقاسم السلطة بين أقوى مراكز النفوذ، على حساب بقية القوى السياسية والمدن والمكونات الاجتماعية.
«يالطا مصغرة»

وكانت صحيفة «لوموند» الفرنسية قد وصفت الخطة المتداولة بأنها أقرب إلى «يالطا مصغرة» في ليبيا، معتبرة أن المفاوضات التي يقودها بولس كشفت هشاشة التحالفات القائمة على جانبي البلاد، بدلاً من أن تقدم حتى الآن ضمانات حقيقية لإنهاء الانقسام.
وبحسب الصحيفة، قاد المفاوضات من الجانب الليبي صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة، ابن شقيق رئيس حكومة الوحدة الوطنية ومستشاره للأمن القومي، بينما كثف بولس اتصالاته بعواصم إقليمية وأوروبية، في وقت بقي فيه الرأي العام الليبي بعيداً عن تفاصيل التفاهمات المطروحة.
وتتركز إحدى أبرز العقد أمام هذه المبادرة في مسألة القيادة العليا للمؤسسة العسكرية، إذ لا يبدو أن عائلة حفتر مستعدة للتخلي عن موقعها في قيادة القوات المتمركزة في شرق البلاد، بينما لم تتجاوز خطوات التقارب العسكري بين الشرق والغرب مستوى المشاركة في تدريبات مشتركة، من دون دمج سلاسل القيادة أو أنظمة الاتصالات أو توحيد القرار العسكري.
كما تواجه المبادرة عقبة ثانية في غرب ليبيا، حيث تتوزع القوة بين مجموعات مسلحة ومدن وتيارات سياسية ذات تحالفات متغيرة، ولا تملك حكومة الدبيبة سيطرة كاملة على مختلف القوى الفاعلة. وتعد مصراتة من أهم الاختبارات أمام أي اتفاق محتمل، نظراً إلى ثقلها العسكري والسياسي، إلى جانب مواقف طرابلس والزنتان والزاوية وغيرها من مدن الغرب.
ثغرات في الشرق الليبي
أما في الشرق، فرغم تماسك السلطة بدرجة أكبر تحت قيادة خليفة حفتر، فإن التطورات الأمنية الأخيرة أظهرت وجود ثغرات وتوازنات داخلية دقيقة، ما يجعل تمرير أي اتفاق يمنح صدام حفتر موقعاً سياسياً متقدماً مرتبطاً بقدرة معسكر الشرق على الحفاظ على تماسك تحالفاته.
ولا تنفصل التحركات الأمريكية عن التنافس الدولي المتصاعد في ليبيا، حيث تحافظ تركيا على وجود ونفوذ في غرب البلاد، في حين تتمركز عناصر روسية في قواعد عسكرية بشرق ليبيا ووسطها وجنوبها. وتزايد اهتمام واشنطن بالملف الليبي مع توسع الحضور الروسي، إلى جانب سعي شركات نفط أمريكية إلى تعزيز وجودها في دولة تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في إفريقيا.
وفي مقابل هذه المبادرة، تطرح بعثة الأمم المتحدة مساراً يقوم على مشاورات سياسية ومجتمعية تقود إلى الانتخابات، وهو ما أثار خلال الفترة الماضية انطباعاً بوجود مسارين متباعدين: الأول أممي يركز على تهيئة الإطار السياسي والقانوني للانتخابات، والثاني أمريكي يتعامل مباشرة مع القوى القائمة بهدف إعادة توحيد السلطة والمؤسسات.
ويبدو أن تصريح بولس الأخير يستهدف تبديد هذا الانطباع، والتأكيد أن التحرك الأمريكي يتكامل مع خارطة الطريق الأممية، خصوصاً بعد توقيع اتفاق اللجنة المصغرة «4+4» في طرابلس في 30 آب / أغسطس الماضي.
وجاء الاتفاق بعد مباحثات بدأت في روما نهاية نيسان/أبريل، ثم استمرت خلال سبع جولات في تونس، بمشاركة ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية و»القيادة العامة» ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.
ويعالج اتفاق «4+4» أول محطتين في خارطة الطريق الأممية، وهما إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتسوية الخلافات المتعلقة بالإطار القانوني والدستوري للانتخابات.
كما يتضمن تعديلات على القوانين الانتخابية، بينها السماح للعسكريين بالتصويت والترشح للرئاسة، والسماح لمزدوجي الجنسية بالترشح، شريطة تنازل الفائز عن جنسيته غير الليبية قبل أداء اليمين الدستورية، إلى جانب فك الارتباط بين نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
ويلزم الاتفاق الأطراف بإجراء الانتخابات خلال 24 شهراً، تحت سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، لكنه لا يقدم آلية واضحة لتشكيل هذه السلطة، وهو ما يترك الباب مفتوحاً أمام خلافات جديدة بشأن الحكومة المقبلة وتوزيع المناصب السيادية والعسكرية.
وقد اعتمد مجلس النواب الاتفاق خلال جلسته المنعقدة في بنغازي، وسط اعتراض عشرات النواب الذين شككوا في اكتمال النصاب القانوني، بينما رحب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بالاعتماد، معتبراً إياه خطوة مهمة للمساعدة في تجاوز الجمود السياسي.
غير أن مستقبل الاتفاق لا يزال مرتبطاً بموقف المجلس الأعلى للدولة، وبقدرة الأطراف الليبية على الانتقال من إعلان التأييد إلى التنفيذ، في ظل تجارب سابقة أظهرت أن تعطيل التسويات لا يحتاج بالضرورة إلى رفض صريح، إذ يمكن تأجيلها عبر عدم اكتمال النصاب أو إحالتها إلى مزيد من الدراسة أو ربطها بشروط تعيد فتح الملفات الخلافية.
ويرى باحثون أن المرحلة المقبلة ستكشف مدى جدية واشنطن في جعل تحركاتها منسجمة فعلياً مع المسار الأممي، من خلال بناء موقف دولي موحد لدعم اتفاق «4+4»، وتضمين هذا الدعم في تفويض بعثة الأمم المتحدة، إلى جانب الاستعداد لاتخاذ إجراءات ضد الأطراف التي تعرقل التنفيذ.
وبينما تؤكد الولايات المتحدة أن هدفها توحيد الحكم وإجراء الانتخابات، يبقى السؤال قائماً بشأن الطريق الذي ستسلكه لتحقيق ذلك: هل ستدفع نحو تنفيذ خارطة الطريق الأممية بما يتيح لليبيين إعادة تشكيل المشهد عبر صناديق الاقتراع، أم ستتقدم تفاهمات تقاسم السلطة بين القوى النافذة لتصبح أساس التسوية الجديدة؟

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات