ثلاثة قرارات سياسية مهمة أعلن عنها في الجزائر هذه الأيام، في الفترة نفسها تقريبا، أخذت شكل مقايضة سياسية اقترحها النظام السياسي على الجزائريين، أو بعضهم على الأقل، كما جرت العادة عند هذا النظام السياسي الذي لم تتغير في العمق علاقاته بالمواطنين، ونحن نتصفح ما حصل خلال تجربة بومدين السياسية التي قايض خلالها التنمية والطابع الاجتماعي للدولة بالتعددية السياسية، والحريات الفردية والجماعية، ليكون بوتفليقة أكثر مباشرة، حين اقترح على الجزائريين فتح العهدات الرئاسية، مقابل السماح له بالترشح للرئاسيات من دون تقييد، كما كان ينص على ذلك دستور البلد، مقابل نظام التمييز الإيجابي الذي اقترحه لصالح المرأة – الكوتا السياسية – بمناسبة التعديل الدستوري في 2008.
منطق المقايضة الذي نجده حاضرا هذه الأيام، حتى لو تقلصت الفئات الموجهة إليها في تركيز واضح على الفئات الوسطى، لاستغلال انقساماتها الثقافية والفكرية، كما هو ظاهر في قرار تقديم تدريس اللغة الإنكليزية إلى السنة الثالثة ابتدائي، على حساب اللغة الفرنسية، التي تم تأخير تدريسها إلى السنة الرابعة، هي التي كانت تتربع على عرش اللغات الأجنبية تاريخيا، داخل المنظومة التعليمية الجزائرية.
زيادة على قرار حل نقابة الكناباست ـ أقدم نقابة مستقلة تنشط في قطاع التعليم العمومي – من قبل القضاء الإداري، كانت حاضرة بقوة داخل قطاع التعليم العمومي، منذ الإعلان عن تكوين النقابات المستقلة في الجزائر، بعد الاعتراف بالتعددية النقابية (1990)، وأخيرا ترشيح امرأة لرئاسة المجلس الوطني الشعبي لأول مرة في تاريخ الجزائر السياسي، بعد انتخابات تشريعية تم فيها تسجيل أضعف نسبة مشاركة وطنية منذ الاستقلال 14.6% بـ 21.24% فقط بحضور نسوي لم يتجاوز 25 امرأة من 407 نواب برلمانيين، أفرزت أضعف حضور للمرأة داخل الهيئة التشريعية، لم يسجل منذ سنوات.
ثلاثة قرارات تبدو لأول وهلة متناقضة في مقاصدها، رغم اشتراكها في نقطة مهمة واحدة، تتمثل في توجهها نحو الفئات الوسطى بمختلف مكوناتها ومواقعها الاجتماعية التي يغلب عليها عدم التجانس السوسيو- ثقافي، الحاضر بقوة في الحالة الجزائرية، يمكن أن تثيرها أكثر من غيرها من الفئات الاجتماعية الأخرى، قضية تدريس اللغات الأجنبية داخل المنظومة التعليمية، بالصراعات الأيديولوجية التي يمكن أن تتسبب في اندلاعها، تماما مثل المسألة الجندرية، التي يمكن أن يؤشر عليها وصول المرأة إلى هذا الموقع السياسي النوعي المهم في الجزائر، مقارنة بالحالة المغاربية والعربية، التي لم تسجل فيها النساء هذا الحضور المتميز الذي وصلته في الجزائر، رغم كل ما يمكن ذكره من نقائص حول التجربة البرلمانية الوطنية، بما ميزها من ضعف وهيمنة لصالح مراكز السلطة التنفيذية المختلفة، وصلت على رأسه الطبيبة المتخصصة التي انطلقت في مسارها السياسي من تجربة المجالس المحلية ـ بلدية وولائية في العاصمة هي ابنة الشمال القسنطيني – ميلية الأصل – من مواليد -1982 انتقلت مع عائلتها للعيش في مليانة بالوسط (متزوجة وأم لبنتين) ـ قبل الوصول إلى عضوية اللجنة المركزية لجبهة التحرير، التي تحظى فيه المرأة المتعلمة بفرص ترقية حقيقية، نتيجة الندرة التي تميز حضور المرأة السياسية المتعلمة، داخل هذا الهيكل السياسي الذكوري، القريب من مراكز القرار الرسمي المدني والعسكري، الذي سيكتشف مع الوقت عيوب قراره المتعلق بمنع الترشح لأكثر من عهدتين برلمانيتين، على عملية التراكم النخبوي، عندما يتعلق الأمر بالمرأة، ضعيفة الحضور، داخل المؤسسات المركزية للدولة، ما يعيق بشكل جدي مسألة وصولها إلى البرلمان، التي حاولت الالتفاف عليها بذكاء بواسطة كسب تجربة سياسية داخل المؤسسات المحلية – بلدية وولائية دعمتها بتجربة حزبية، زيادة بالطبع على الضمانات التي يمنحها لها تأهيليها العلمي والمهني، قبل الوصول إلى المؤسسة البرلمانية، بكل التذبذب الذي عرفه في التجربة الجزائرية. لتؤكد مسألة حل نقابة الكناباست هذا التوجه في التحرش بالفئات الوسطى الأجيرة، الذي اختاره النظام السياسي كمسلك في السنوات الأخيرة، عندما يتعلق الأمر بالأبعاد المطلبية المنظمة، القريب من الطرح السياسي المعارض الملتصق بالحركات الاجتماعية، هي التي كانت وراء تجربة نقابية مطلبية عرفت بحيوية كبيرة، ميزت حوالي عشريتين كاملتين من التاريخ الاجتماعي والسياسي، ساعدت على إبعاد البلد من المنطق العنيف الذي كان يسير فيه، نحو اتجاهات أكثر سلمية وتفاوضية، لم يخل رغم ذلك من قيم مطلبية انطلق الكثير من أساتذة التعليم من المنخرطين في هذه النقابات في التعود عليها وإتقانها بسرعة فائقة مع الوقت، لاسترداد ما ضيعوه من وضع اقتصادي واجتماعي ورمزي، خلال هذه الفترة التي كان يعيش فيها البلد تحولات من كل نوع، انطلقت مع ظهور توجهات اقتصادية واجتماعية جديدة نحو اقتصاد السوق، أفرزت الكثير من النتائج الاجتماعية التي تضررت منها على وجه الخصوص الفئات الوسطى وشرائحها الأجيرة تحديدا، التي تملك الدولة الوطنية كرب عمل، وهي تنطلق في إعادة النظر في أدوارها الاجتماعية، التي تعودت على إنجازها تاريخيا، يمكن أن يتطور مع الوقت في حالة استمرار التضييق على العمل النقابي المطلبي، كما يعكسه هذا الحل القانوني لهذه التجربة النقابية المتميزة، التي عبرت عنها تجربة الكناباست، بدأ في منح الدولة الوطنية خصائص وصفات لم تكن حاضرة لديها في المراحل الأول للاستقلال، عندما كانت فيها أقرب للفئات الشعبية.
لنكون أمام طرح أكثر ثقافوية، ونحن نتكلم عن قرار تأخير تدريس اللغة الفرنسية لصالح الإنكليزية، الذي أعلنت عنه وزارة التربية، عادة ما يأخذ في الجزائر منحى ثقافويا وأيديولوجيا يحيل إلى التاريخ الثقافي والسياسي للبلد، في علاقته بفرنسا، التي ازدادت توترا في السنوات الأخيرة، يعرف الطرف الجزائري الأهمية القصوى الممنوحة فرنسيا لمسألة نشر اللغة الفرنسية في هذه المستعمرة القديمة، التي تحظى فيها هذه اللغة بحضور قوي ومتميز تاريخيا، يُعول عليه الطرف الفرنسي كأرضية لتمتين حضوره الاقتصادي ـ الاجتماعي، في وقت زاد فيه المنافسون الدوليون لهذا الحضور، يعتمد الطرف الفرنسي فيه على الفئات الوسطى الجزائرية المتعلمة بالفرنسية، لكسبه والدفاع عنه، اعتمادا على قراءة ثقافوية ولغوية لا تراعي تعقيدات المشهد الثقافي السياسي واللغوي داخل المجتمع الجزائري، ومؤسسات الدولة الوطنية من منظار تاريخي، عرف الكثير من التحولات المرتبطة بالأجيال ومحيطها الثقافي، لم يعد الطرف الفرنسي يتحكم فيه، بحضور قوى سياسية واجتماعية معادية، لا تنظر بعين الرضى لهذا الحضور اللغوي الفرنسي، الذي تريد استبداله باللغة الإنكليزية التي تقدم كلغة محايدة، من دون لون سياسي في قراءة ساذجة، لم تتخلص من عمقها الانتقامي المعادي للفرنسية كلغة مستعمر سابق.
قراءة تسكت عن طرح الأبعاد الاقتصادية والمالية لمثل هذا القرار- ميزانيات – توظيف – وسائل بيداغوجية إلخ، يقفز فوقها مثل هذا القرار المشحون بحمولة أيديولوجية طاغية، مهتمة بالماضي أكثر من الحاضر والمستقبل.
ناصر جابي

تعليقات الزوار
لا تعليقات