لم يحمل الخطاب الأخير للرئيس عبد المجيد تبون “جديدا” حول دور الجزائر ونفوذها الكبير داخل تونس، لكنه كشف -في المقابل- انقسام كبيرا حول “طبيعة العلاقة” بين الجارين، وخاصة في ظل سعي بعض الأطراف في الجزائر للتعامل مع تونس كـ”شقيق أصغر”، ناهيك عن بعض الأصوات المتطرفة التي تعتبر تونس “ولاية جزائرية”.
وكان تبون أكد لوسائل إعلام محلية أن الجزائر ستتصدى لأي محاولة لجلب الإرهاب إلى جارتها الشرقية، حيث قال: “من يأتي بالإرهاب إلى جوار أو حدود تونس أو يهددها به سنهدم خيمة والديه”.
تصريح تبون، وإن بدا ظاهريا حرصا على أمن تونس الذي لا ينفصل عن أمن الجزائر، لكنه حمل نوعا من “الوصاية” على شقيق أصغر أو “قاصر” يحتاج إلى حماية، وفق ما ترجمه عشرات السياسيين والحقوقيين في تونس، وهو ما دفعهم لإصدار بيان اتهموا فيه تبون بالانتقاص من سيادة تونس.
وأوضحوا في بيانهم: “إذا كان كلّ موقف صادق يعبّر عن التضامن بين الشعبين الشقيقين في مواجهة الإرهاب وسائر التحديات المشتركة مهما، فإنّ أيّ خطاب قد يُفهم منه إخضاع أمن تونس لحماية خارجية، أو الإقرار لأيّ طرف بحقّ التدخّل في شؤونها، يُعدّ مساسًا بمبدأ السيادة الوطنية ويستوجب موقفًا وطنيًا واضحًا لا لبس فيه”.
كما اعتبروا أن “العلاقات التاريخية والأخوية بين تونس والجزائر، التي صنعتها تضحيات مشتركة ضدّ الاستعمار ورسّختها عقود من التضامن وحسن الجوار، تشكل رصيدًا استراتيجيًا ثمينًا ينبغي صونه وتعزيزه على أساس الاحترام المتبادل، والمساواة الكاملة في السيادة، وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية. والصداقة الحقيقية لا تقوم إلا بين دولتين مستقلتين، متكافئتين في السيادة ، لا بين حامٍ ومحميّ”.
في المقابل، أصدر عشرات النواب والسياسيين والنشطاء بيانا، أشادوا فيه بخطاب تبون الذي قالوا إنه “يعكس عمق العلاقات التاريخية والأخوية والاستراتيجية والتاريخية التي تجمع تونس والجزائر”.
واعتبر البيان أن “التضامن بين الأشقاء والتعاون العربي لا يمثل انتقاصا من السيادة الوطنية، بل هو أحد عناصر القوة التي تحمي الدول وتعزز استقلال قرارها، خاصة في عالم يقوم على التكتلات والشراكات الاستراتيجية، وتواجه فيه الشعوب والدول تحديات مشتركة تتجاوز الحدود”.
كما حذر مما اعتبره “محاولات توظيف الخلافات السياسية لخدمة أجندات تهدف إلى عزل تونس عن محيطها الإقليمي والعربي”.
واعتبر الموقعون على البيان أن “أمن تونس والجزائر مترابط بحكم وحدة التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة”.
كما عبروا عن رفضهم “محاولات عزل تونس عن عمقها الإقليمي والعربي أو إضعاف علاقاتها الاستراتيجية مع أشقائها”.
ودعوا إلى “تعزيز التعاون التونسي الجزائري والتكامل المغاربي بما يخدم أمن الشعوب واستقرار المنطقة”.
تصريح تبون ليس الأول من نوعه، حيث اعتبر في وقت سابق أن تونس تتعرّض لمؤامرة خارجية، كما قال إن بلاده تحاول المشاركة في الحوار الوطني لتقريب وجهات النظر بين التونسيين، وهو ما دعا الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي لمطالبته بعدم التدخل في بلاده.
كما أكدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أنها ناقشت مع تبون “السيناريوهات المتوقعة في تونس”، وهو ما دفع سياسيين تونسيين لمطالبة وزارة الخارجية بالتنديد بتدخل الجزائر وإيطاليا في الشأن الداخلي للبلاد.
والعام الماضي، أثارت وثيقة مزعومة نشرتها قناة الزيتونة جدلا واسعا في تونس، خاصة أنها تتحدث عن اتفاقية مع الجزائر تتيح لجيشها التدخل لحماية نظام الرئيس قيس سعيد.
وعادة ما تثير تصريحات السياسيين التونسيين والجزائريين جدلا حول العلاقة بين الجارين الشقيقين. فقبل سنوات، تعرض وزير الدفاع التونسي السابق فرحات الحرشاني إلى هجوم كبير من قبل الصحافة الجزائرية بسبب تصريحات منسوبة له اتهم فيها الجزائر بتصدير الإرهاب إلى بلاده، قبل أن تسارع وزارة الدفاع التونسية إلى نفي هذا الأمر بشكل قاطع.
وكان الخبير والنائب الجزائري السابق الهواري تيغرسي أثار موجة استنكار واسعة في تونس بعدما اعتبر أنها “ولاية جزائرية مهمة”، قبل أن يعتذر للتونسيين.

تعليقات الزوار
لا تعليقات