كشفت الممثلة المساعدة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في موريتانيا، كاتارينا لانغ، أن موريتانيا تستضيف حالياً أكثر من 300 ألف لاجئ، معظمهم من الفارين من النزاع في مالي، مشيرة إلى أن اللاجئين يشكلون أكثر من 35% من سكان ولاية الحوض الشرقي.
وقالت لانغ، خلال ندوة علمية نظمتها في نواكشوط، الأكاديمية الدبلوماسية الموريتانية، بمناسبة الذكرى الـ75 لاعتماد اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، إن اللاجئين يمثلون نحو 7% من إجمالي سكان موريتانيا، وهي نسبة قالت إنها مرتفعة مقارنة بعدد من الدول المستضيفة للاجئين حول العالم.
وناقش المشاركون في الندوة التحديات الراهنة والآفاق المستقبلية لتعزيز الحماية الدولية، بما ينسجم مع مبادئ القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي للاجئين، ويعزز قيم التضامن والكرامة الإنسانية.
وأوضحت أن نحو 120 ألف لاجئ يقيمون في مخيم أمبرة بالحوض الشرقي، فيما ينتشر حوالي 180 ألفاً في مناطق وقرى الولاية، في تحول تدريجي من نموذج اللجوء داخل المخيمات إلى الاستقرار داخل التجمعات السكانية المضيفة.
وحذرت المسؤولة الأممية من أن هذا التحول يفرض ضغوطاً إضافية على الخدمات الأساسية والبنى التحتية المحلية، ويجعل إدماج اللاجئين في المجتمعات المضيفة أحد أبرز التحديات المطروحة أمام موريتانيا وشركائها الدوليين.
وأكدت لانغ أن اتفاقية عام 1951 ما تزال تمثل الإطار القانوني الأساسي لحماية اللاجئين وضمان حقوقهم، بما في ذلك الحصول على الوثائق القانونية والتعليم والعمل والرعاية الصحية والعدالة.
وأشادت بانضمام موريتانيا إلى اتفاقية اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967، إلى جانب اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لعام 1969، معتبرة أن اعتماد قانون وطني للجوء يمثل الخطوة المقبلة لترسيخ نظام وطني دائم لإدارة ملف اللاجئين.
وقال المدير العام للأكاديمية الدبلوماسية الموريتانية، السيد الطالب أخيار عبدي سالم، إن موريتانيا جسدت نموذجاً رائداً في الوفاء بالتزاماتها الإنسانية والدولية، حيث استقبلت أعداداً كبيرة من اللاجئين، ووفرت لهم الحماية القانونية والخدمات الأساسية، وذلك بالتنسيق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والشركاء الدوليين والإنسانيين.
وأضاف أن التجربة الموريتانية تكتسي أهمية خاصة، رغم التحديات المتزايدة التي يشهدها العالم، حيث بلغ عدد النازحين واللاجئين مستويات غير مسبوقة نتيجة النزاعات المسلحة والأزمات والتغيرات المناخية، الأمر الذي يجعل من تعزيز التعاون الدولي وتقاسم المسؤولية ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تواجه فيه موريتانيا ضغوطاً متزايدة على المناطق الحدودية مع مالي، التي تستمر فيها الاضطرابات الأمنية والنزوح المستمر، ما يجعل ملف اللجوء واحداً من أبرز التحديات الإنسانية والتنموية في البلاد.
ولم تعد الحرب المستمرة في مالي منذ أكثر من عقد شأناً داخلياً يخص هذا البلد وحده، بل تحولت إلى أزمة إقليمية ممتدة ألقت بظلالها الثقيلة على دول الجوار، وفي مقدمتها موريتانيا التي وجدت نفسها أمام واحدة من أكبر موجات اللجوء في غرب إفريقيا.
فمع كل جولة جديدة من التصعيد الأمني في شمال ووسط مالي، تتدفق موجات جديدة من المدنيين الفارين من العنف نحو الأراضي الموريتانية، لتتضاعف الأعباء على بلد محدود الموارد، لكنه حافظ منذ عام 2012 على سياسة الباب المفتوح أمام اللاجئين، مستنداً إلى التزاماته الإنسانية والدولية.
وتكشف الأرقام الجديدة أن الأزمة تجاوزت مرحلة الاستجابة الطارئة، لتتحول إلى واقع ديموغرافي وتنموي طويل الأمد يفرض على موريتانيا تحديات غير مسبوقة، سواء على مستوى الخدمات الأساسية أو التنمية المحلية أو التمويل الدولي، في وقت تتراجع فيه المساعدات الإنسانية العالمية، بينما لا تزال الأزمة المالية بعيدة عن أي حل سياسي أو أمني يتيح عودة اللاجئين إلى ديارهم.
تدفقات لا تتوقف منذ 2012
وتعود جذور الأزمة الحالية إلى اندلاع التمرد المسلح في شمال مالي عام 2012، قبل أن تتوسع رقعة الصراع تدريجياً نحو وسط البلاد، ثم تتفاقم بعد الانقلابات العسكرية المتتالية وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي القاعدة و»داعش»، إضافة إلى المواجهات مع الحركات الأزوادية المسلحة.
وخلال عامي 2025 و2026، شهدت المناطق الشمالية والوسطى من مالي موجة جديدة من التدهور الأمني، دفعت آلاف المدنيين إلى الفرار نحو موريتانيا، خصوصاً بعد العمليات العسكرية الواسعة واتساع رقعة الاشتباكات، الأمر الذي أدى إلى تسجيل موجات لجوء متلاحقة إلى ولاية الحوض الشرقي.
وتشير بيانات المفوضية السامية إلى أن نحو خمسين ألف لاجئ جديد وصلوا إلى موريتانيا خلال عام 2025 وحده، ليتجاوز العدد الإجمالي للاجئين وطالبي اللجوء 300 ألف شخص، وهو أعلى مستوى تشهده البلاد منذ بداية الأزمة المالية.
ضغط متزايد على المنطقة الشرقية
وتتحمل ولاية الحوض الموريتانية المحاذية للحدود مع مالي العبء الأكبر من هذه الأزمة، إذ أصبحت تستضيف ما يزيد على 290 ألف لاجئ، موزعين بين مخيم أمبرة وأكثر من سبعين قرية وتجمعاً سكنياً مستضيفاً، وهو ما خلق واقعاً سكانياً جديداً في المنطقة الحدودية مع مالي.
ويعني ذلك زيادة الضغط على المدارس والمراكز الصحية وشبكات المياه والأسواق المحلية والموارد الطبيعية، في ولاية تعاني أصلاً من محدودية البنى التحتية وندرة الموارد المائية وارتفاع معدلات الفقر.
كما يفرض هذا الوضع تحديات بيئية نتيجة ارتفاع الطلب على المياه والحطب والمراعي، فضلاً عن الحاجة إلى توسيع الخدمات الحكومية لتشمل مئات الآلاف من السكان الجدد.
من الإغاثة إلى التنمية
ويلاحظ أن مفوضية الأمم المتحدة للاجئين وشركاءها الدوليين باتوا يتحدثون بصورة متزايدة عن «الصمود» و»الاندماج» بدلاً من الاكتفاء بالإغاثة الإنسانية، إدراكاً منهم أن الأزمة مرشحة للاستمرار، وأن العودة الطوعية للاجئين لا تبدو قريبة في ظل استمرار القتال داخل مالي.
ولهذا تتجه البرامج الدولية إلى دعم المجتمعات المضيفة بالتوازي مع مساعدة اللاجئين، عبر الاستثمار في المدارس والمراكز الصحية وشبكات المياه وفرص العمل، حتى لا تتحول الاستجابة الإنسانية إلى مصدر ضغط على السكان المحليين.
تحديات التمويل
ورغم الإشادة الدولية بالدور الذي تقوم به موريتانيا، فإن المنظمات الإنسانية تحذر من اتساع الفجوة بين الاحتياجات والتمويل، خاصة مع تراجع المساعدات الدولية المخصصة للأزمات الإنسانية حول العالم.
ويثير هذا الوضع مخاوف من انعكاس نقص التمويل على الخدمات الأساسية المقدمة للاجئين والمجتمعات المضيفة، في وقت تتزايد فيه أعداد الوافدين مع استمرار تدهور الأوضاع الأمنية داخل مالي.
معادلة معقدة
وتواجه موريتانيا اليوم معادلة دقيقة تجمع بين الالتزام الإنساني ومتطلبات الأمن والتنمية؛ فمن جهة، حافظت البلاد على سياسة استقبال اللاجئين واحترام التزاماتها الدولية، وهو ما حظي بإشادة الأمم المتحدة، ومن جهة أخرى أصبحت مطالبة بإدارة آثار أزمة إقليمية طويلة الأمد تتجاوز قدراتها الذاتية.
ويبدو أن استمرار النزاع في مالي يعني استمرار تدفقات اللاجئين، ما يجعل مستقبل هذا الملف مرتبطاً قبل كل شيء بإيجاد تسوية سياسية وأمنية داخل مالي نفسها.
وحتى يتحقق ذلك، ستظل موريتانيا تؤدي دوراً محورياً في حماية مئات الآلاف من الفارين من الحرب، لكنها ستظل في الوقت ذاته بحاجة إلى دعم دولي أكبر، حتى لا تتحول أزمة اللجوء إلى عبء تنموي واقتصادي يفوق إمكاناتها.

تعليقات الزوار
لا تعليقات