قريبا ستتحول موجات الحرارة التي تضرب مختلف جهات العالم إلى أزمات تهدد استقرار المجتمعات وأركان الحكم، في الدول المتخلفة والدول المتقدمة على السواء.
كيف ذلك؟ في يوم حار قاتل بداية الشهر الجاري، في ضاحية نانتير بباريس، وقف حشد من الفرنسيين ساعات ينتظرون في طابور طويل أمام أحد محلات شبكة «ليدل» للبيع بالتجزئة أملاً في الظفر بجهاز تكييف متنقل. ثم اقتحموا المحل فحطموا زجاجه واشتبكوا بالأيدي وداس بعضهم البعض الآخر. كانت الكمية المعروضة أقل من الطلب، فكان طبيعيا أن يعود كثيرون غاضبين يجرُّون أذيال الخيبة.
في بريطانيا وألمانيا ودول أوروبية أخرى لهث كثيرون من مدينة إلى مدينة ومن محل إلى محل بحثا عن المنتوج الثمين ذاته، جهاز التكييف. في النمسا ذكرت الأخبار أن رجل أعمال قطع 200 كيلومتر، من فيينا إلى لينز، من أجل شراء آخر جهاز تكييف عرضه أحد المحلات. وتشكلت مجموعات دردشة على مختلف منصات التواصل تتبادل النصح حول أمكنة توفر أجهزة التكييف وأسعارها وأسرار الظفر بواحد منها. انتعشت أيضا تجارة المكيفات المستعملة، والمضاربة فيها.
في الفترة نفسها في أجزاء أخرى من العالم، كانت بنغلاديش والهند وتونس وباكستان ودول أخرى تشهد احتجاجات شعبية على انقطاعات الكهرباء في ذروة موجة حرارة استثنائية، وعجز شبكة التموين عن تحمّل ارتفاع الاستهلاك وعن تشغيل مكيفات الهواء (في الهند اشتكوا من أن التيار الكهربائي أضعف من أن يُشغّل مراوح التهوئة).
تلكم هي الأزمة الجديدة التي لم يحسب السياسيون حسابها، فحلَّت عليهم بأسرع مما توقعوا، وسيكون عليهم الاستعداد لدفع ثمنها.
حسب الأمم المتحدة، من بين التقلبات المناخية التي تضرب العالم، أصبحت الحرارة المرتفعة الأكثر فتكا بالبشر. أكثر من الفيضانات ومن الجفاف والنيران والأعاصير.
جاء في تقديرات نشرتها مجلة «لانسيت» الطبية المرموقة، أن نحو 489 ألف شخص لقوا حتفهم بسبب الحرارة سنويا بين عامي 2000 و2019.
في المقابل، تشير دراسة منفصلة نُشرت في المجلة ذاتها إلى أنه بحلول أوائل العقد الثاني من القرن الحالي، ساهم توفر أجهزة التكييف في تجنب حوالي 190 ألف حالة وفاة سنويا بين الأشخاص كبار السن.
لكن توفر أجهزة التكييف بما يكفي الجميع يطرح إشكالات أخرى. عندما كان الفرنسيون يتعاركون في محل «ليدل»، كان قادتهم السياسيون، غير بعيد عنهم جغرافياً، يخوضون جدالات حول أجهزة التكييف وكلفتها المالية والبيئية والاجتماعية.
تقود مارين لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني، حملة المطالبة بتوفير المزيد من مكيفات الهواء في المدارس والمستشفيات وغيرها من الأماكن التي يرتادها الجمهور. أما قادة اليسار، يتقدمهم زعيم حزب فرنسا الأبية، جان لوك ميلونشون، فأثاروا تحفظات عن كلفة تنفيذ مطلب كهذا على الخزينة وشبكة الكهرباء ومستوى حرارة الأرض. حجتهم أن مضاعفة استعمال المكيفات يزيد حرارة الهواء، مع كل ما يترتب عن ذلك من آثار تُفاقم المشكلة بدل أن تحلها.
في الدول الغنية، يتجادل السياسيون حول المناخ وكفاءة الطاقة. وفي الدول الفقيرة يتجادلون حول ارتفاع فواتير الكهرباء لتفوق قدرة المواطنين الشرائية، وكلفة تشغيل شبكات الكهرباء المتهالكة والقديمة.
وفي كل مكان، عليهم التعامل مع جمهور يرى، عن صواب، أن من حقه الحصول على مكيفات الهواء.
في خضم هذا الصداع تكشف أرقام الأمم المتحدة أن الحرارة المرتفعة، وعلى عكس التوقعات، تقتل في أوروبا أكثر من غيرها: 36% من مجموع الوفيات بالحرارة عبر العالم. علما أن الأوروبيين يشكلون أقل من 10% من سكان العالم.
كعادتها تشذ الهند عن الجميع. تكشف بيانات نشرتها مجلة «ذا إيكونومست» البريطانية أن الهند وفّرت ما معدله 10 ملايين جهاز تكييف سنويا بين 2019 و2024 (نصف ما وفرته أوروبا مجتمعة). ويُتوقع أن يرتفع العدد في الهند إلى ما بين 130 مليون و150 مليون وحدة خلال العشرية المقبلة.
إلا أن ثنائية الفقر المدقع والثراء الفاحش في الهند تجعل أن هذه الأجهزة ذهبت، وستذهب، إلى الأغنياء. ليس للفقراء نصيب يُذكر فيها لأن فواتير الكهرباء مرتفعة وأجهزة التكييف باهظة الثمن وصيانتها تحتاج إلى أموال، وفق «ذا إيكونومست».
هناك الصين أيضا. بما أن الصين تتقن جيدا فن الاستثمار في أزمات الآخرين، ارتفعت صادرات أجهزة التكييف الصينية إلى الاتحاد الأوروبي هذا الصيف وحده بنسبة 43% لتناهز 3.8 مليار دولار.
إذا استمرت نوعية المناخ في التدهور بالوتيرة الحالية، سيصبح الجدل السياسي حول جدوى توفير مكيفات الهواء من عدمها في المجتمعات الغربية مضيعة وقت.
قريبا سيتجاوز الأمر كل التحفظات السياسية، وقد يفرض نفسه ليصبح عنوانا في الحملات الانتخابية.
أصلا يحق التساؤل إن لم يكن ذلك قد حدث بالفعل وضاع ضجيج السياسيين والمحللين في رحلة ذلك النمساوي من أجل الظفر بآخر جهاز تكييف، وبين أرجل الفرنسيين المتدافعين أمام «ليدل»، ووسط نصائح أعضاء مجموعات التواصل في مختلف الدول الأوروبية بعضهم لبعص.
أما حكومات الدول المسماة متخلفة فلا خيار أمامها سوى سرعة الاستعداد للمعركة مع العدو الجديد، الحرارة، أو الاستعداد لثورات الحرارة والمكيفات، على غرار ثورات الخبز والجوع والبطالة.
في الحالتين لا تملك هذه الحكومات ترف الانتظار.
توفيق رباجي

تعليقات الزوار
لا تعليقات