أخبار عاجلة

رئيسة البرلمان الجزائري خليدة بوفدش تتعهد بـ”العمل مع جميع النواب”

فتح انتخاب النائبة عن حزب جبهة التحرير الوطني، خليدة بوفدش، على رأس الغرفة الأولى للبرلمان الجزائري، نقاشا سياسيا تجاوز حدث وصول أول امرأة على رأس الغرفة السفلى للبرلمان، ليطال طبيعة المؤسسة التشريعية وحدود أدوارها في النظام السياسي الجزائري، كما أثار جدلا بشأن معايير الوصول إلى المناصب السياسية.

ففي الوقت الذي اعتبر فيه أنصار الأغلبية أن انتخاب بوفدش يشكل محطة تاريخية ورمزية تعكس المكانة التي بلغتها المرأة الجزائرية بعد عقود من النضال والمشاركة في الحياة العامة، وأنه يمثل خطوة جديدة في مسار توسيع حضورها داخل مؤسسات الدولة، رأى معارضون أن هذه الرمزية لا ينبغي أن تحجب النقاش حول استقلالية البرلمان، وقدرته على ممارسة صلاحياته الدستورية في التشريع والرقابة، فضلا عن طبيعة الحياة السياسية وآليات صناعة النخب داخلها.

وفي مسارها العلمي، تخرجت بوفدش وهي من مواليد 27 مايو 1982 بشهادة في تخصص الطب العام من جامعة الجزائر سنة 2008، قبل أن تتحصل على شهادة الدراسات الطبية المتخصصة في أمراض الحساسية والمناعة السريرية سنة 2019، لتستهل مسارها المهني بالمؤسسة العمومية الاستشفائية بعين طاية في ولاية الجزائر، قبل أن تلتحق بالمركز الاستشفائي الجامعي ببني مسوس (العاصمة)، كما تولت سنة 2023 رئاسة مصلحة على مستوى مديرية الصحة لولاية الجزائر.

وعلى الصعيد السياسي، انتخبت عضوا بالمجلس الشعبي البلدي لبرج البحري (العاصمة) خلال الفترة الممتدة بين عامي 2012 و2017، قبل أن تنتخب عضوا بالمجلس الشعبي الولائي لولاية الجزائر سنة 2021، لتفوز لاحقا بعضوية المجلس الشعبي الوطني، قبل انتخابها أول امرأة تتولى رئاسة الغرفة السفلى للبرلمان الجزائري.

وفي أول رد فعل له، اعتبر الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، عبد الكريم بن مبارك، أن انتخاب امرأة لأول مرة على رأس المجلس الشعبي الوطني يمثل “محطة مضيئة في تاريخ الجزائر”، ويعكس المكانة التي وصلت إليها المرأة الجزائرية “بفضل نضالها وكفاءتها وحضورها الفاعل في مختلف مجالات الحياة الوطنية”، كما يجسد، بحسبه، الإرادة السياسية الرامية إلى ترقية الكفاءات وتوسيع المشاركة في تحمل المسؤوليات العليا للدولة.

وأضاف بن مبارك أن هذا الاستحقاق يندرج ضمن مسار تعزيز دولة المؤسسات وترسيخ الممارسة الديمقراطية، معربا عن ثقته في قدرة بوفدش على قيادة المجلس وجعله فضاء للحوار والتشريع بما يستجيب لتطلعات المواطنين، ويساهم في مواكبة الإصلاحات التي تعرفها البلاد.

في المقابل، قدمت شخصيات معارضة قراءة مختلفة لهذا التطور، إذ رأى الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري، أن المشهد السياسي لم يعد تصنعه مسارات النضال والعمل السياسي، بل “القرارات الفوقية”، معتبرا أن شخصيات لا تمتلك رصيدا نضاليا قد تصل إلى أعلى المناصب بفعل خيارات تتخذها جهات نافذة، وهو ما اعتبره مؤشرا على تراجع الحياة الحزبية والسياسية، في ظل ما وصفه بتقليص مساحات النقاش والاختلاف.

من جهته، دعا أستاذ العلوم السياسية عبد الرحمن بوثلجة إلى الفصل بين البعد الرمزي والبعد التمثيلي للمنصب، موضحا أن الرئيسة الجديدة لا تمثل النساء بوصفها امرأة، وإنما تمثل جميع الجزائريين باعتبارها انتخبت داخل مؤسسة تشريعية وفق آليات سياسية ودستورية. وقال إن معيار التمثيل في الأنظمة الديمقراطية يقوم على التفويض الشعبي وليس على الانتماء إلى جنس أو فئة اجتماعية، معتبرا أن التركيز على هذا الجانب قد يؤدي إلى قراءة غير دقيقة لدلالة الانتخاب.

وجاء انتخاب بوفدش، مساء الثلاثاء، خلال الجلسة الافتتاحية للعهدة التشريعية العاشرة، بعد حصولها على 302 صوتا من أصل 366 صوتا معبرا عنه، مقابل 57 صوتا لمترشح حركة مجتمع السلم أمين علوش، و7 أصوات لمرشح التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية رشيد حساني، وذلك وفق نظام الاقتراع السري المنصوص عليه في النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني في حال تعدد المترشحين.

وكانت المشاورات داخل أحزاب الأغلبية الرئاسية قد انتهت، قبل ساعات من جلسة الانتخاب، إلى الاتفاق على ترشيح بوفدش، بعد تداول أسماء أخرى، من بينها الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي منذر بوذن، والمحافظ السابق عطاء الله مولاتي، وأستاذ العلوم السياسية إسماعيل دبش، قبل أن تستقر المشاورات على اسمها في إطار التوازنات السياسية داخل الحزام البرلماني الداعم للسلطة التنفيذية.

وفي أول كلمة لها بعد انتخابها، تعهدت خليدة بوفدش بالعمل مع جميع النواب “دون استثناء” بروح المسؤولية والتعاون والتشاور، مؤكدة أن المجلس الشعبي الوطني هو الفضاء الذي تتجسد فيه الإرادة الشعبية من خلال التشريع والرقابة وتقييم السياسة العمومية.

وأكدت أن المرحلة المقبلة تقتضي الارتقاء بالأداء البرلماني وتعزيز جودة التشريع بما يواكب التحولات التي تعرفها البلاد، وترسيخ الحوار المسؤول واحترام التعددية وبناء توافق حول القضايا الوطنية الكبرى، مع تعزيز التنسيق بين المجلس والحكومة ومجلس الأمة في إطار الصلاحيات التي يحددها الدستور.

واعتبرت بوفدش أن انتخاب امرأة لأول مرة على رأس المجلس الشعبي الوطني يمثل “لحظة فارقة” في تاريخ الجزائر، ويجسد، بحسب تعبيرها، الإرادة السياسية في تكريس دولة المؤسسات وتعزيز مشاركة المرأة والكفاءات الوطنية في مختلف مواقع المسؤولية.

وفي اليوم الموالي لانتخابها، استقبلها الرئيس عبد المجيد تبون، في لقاء بروتوكولي بحضور مستشاره المكلف بالشؤون السياسية والعلاقات مع الشباب والمجتمع المدني والأحزاب السياسية مصطفى صايج.

ورغم إدراكها لصعوبة المنافسة في ظل موازين القوى التي أفرزتها الانتخابات التشريعية، فضلت أحزاب المعارضة خوض الاستحقاق، معتبرة أن المنافسة على رئاسة البرلمان تمثل ممارسة لحق دستوري ورسالة سياسية تؤكد تمسكها بمبدأ التعددية داخل المؤسسة التشريعية.

وقال رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية إن ترشيح النائب رشيد حساني لم يكن رهانا على الفوز، بل “فعل سياسي” هدفه مواجهة ما وصفه بـ”الإجماع السائد” داخل المجلس. وأضاف أن حصول مرشح الحزب على أصوات تجاوزت عدد نوابه يعكس وجود رغبة لدى بعض البرلمانيين في الإبقاء على التعددية داخل المؤسسة.

وشدد الحزب على أن “الأقلية لا تعني الالتزام بالصمت”، مؤكدا أن نوابه سيواصلون ممارسة دورهم في الرقابة وتقديم المقترحات والدفاع عن الحريات والفصل بين السلطات، كما اعتبر أن تحويل انتخاب رئيس البرلمان إلى نتيجة محسومة مسبقا يحد من التنافس السياسي، داعيا إلى برلمان يتمتع باستقلالية أكبر ويؤدي أدواره كاملة في التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية.

وتأتي هذه الانتخابات في أعقاب إعلان المحكمة الدستورية، في 18 يوليو الجاري، النتائج النهائية التي منحت الأغلبية الرئاسية أفضلية مريحة داخل المجلس، بعدما تصدرت جبهة التحرير الوطني النتائج بـ91 مقعدا، متبوعة بالتجمع الوطني الديمقراطي بـ74 مقعدا، ثم جبهة المستقبل بـ56 مقعدا، وحركة البناء الوطني بـ40 مقعدا، وقوائم الأحرار بـ33 مقعدا، وحزب صوت الشعب بـ16 مقعدا.

وفي المقابل، جاءت حركة مجتمع السلم في مقدمة أحزاب المعارضة بـ43 مقعدا، تلتها جبهة القوى الاشتراكية بـ12 مقعدا، ثم التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة العدالة والتنمية بأربعة مقاعد لكل منهما، إلى جانب حزب العمال بثلاثة مقاعد.

ويكتسي منصب رئيس المجلس الشعبي الوطني أهمية خاصة في منظومة الحكم، باعتبار أن الدستور ينص على انتخابه لعهدة تشريعية كاملة، ويتولى تسيير أشغال المجلس وضبط جدول أعماله وتمثيله داخليا وخارجيا والإشراف على تشكيل هياكله، فضلا عن مشاركته في عدد من الهيئات والاستشارات الدستورية.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات