أخبار عاجلة

الرئيس الموريتاني يدافع عن سياسات حكومته ويمدّ اليد للمعارضة

أعاد الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، وضع الحوار السياسي المرتقب في واجهة المشهد الوطني، مقدما تصورا يتجاوز مجرد إدارة الخلافات السياسية بين السلطة والمعارضة إلى مراجعة مسار الدولة وتطوير منظومتها المؤسسية وتعزيز ما سماه «العقد الوطني».
وجاء حديث الغزواني في وقت ينتظر فيه الموريتانيون منذ أشهر انطلاق الحوار، وسط نقاش سياسي متواصل بشأن جدول أعماله وطبيعته والمخرجات المنتظرة منه.
وفي خطاب أمام تجمع جماهيري في عاصمة ولاية آدرار، قال الرئيس إن أمله كبير في أن ينجح الحوار الوطني الشامل في الإجابة عن سؤال «موريتانيا التي نريدها»، والخروج بإجماع واسع حول «كبريات قضايانا الوطنية».
ويبدو أن الرئيس أراد من خلال هذا الطرح نقل الحوار من كونه استحقاقا سياسيا منتظرا إلى مشروع أوسع لمراجعة المسار الوطني، مؤكدا أن الشعوب التي لا تسائل مساراتها ولا تراجع استراتيجياتها ولا تستشرف مستقبلها تكون، في الغالب، الأقل قدرة على الصمود والتكيف والبقاء.
ويطرح هذا التصور الحوار باعتباره آلية للمراجعة والتكيف، وليس بالضرورة مؤشرا على وجود أزمة سياسية تهدد استقرار النظام.
فقد شدد ولد الغزواني في الخطاب نفسه على أن «الوضعية السياسية طبيعية»، وأن المؤسسات الجمهورية تعمل بانتظام، كما أكد أن الأمن مستتب. وحدد الرئيس في خطابه بلغة جديدة، معالم دقيقة للحوار الذي يتطلع إليه؛ فهو يريد حوارا «شاملا وجادا»، لا يعترف بمحظورات ولا «بتوجيهات إملائية» من أي جهة، على أن تأتي مخرجاته «من رحم مداولاته حصرا».
لكن هذا الانفتاح السياسي الذي تحدث عنه الرئيس جاء مقترنا بتحديد واضح للثوابت التي لا يرى أن الحوار يستهدفها؛ وأكد أن الأمر لا يتعلق «بإعادة تعريف الوطن»، ولا بالمساس بأسس الجمهورية ومبادئها أو هويتها الثقافية والحضارية.
وبذلك يقدم الغزواني الحوار باعتباره عملية تطوير داخل الإطار الوطني القائم، وليس عملية لإعادة تأسيس الدولة أو تغيير هويتها السياسية والدستورية.
ويريد الرئيس، وفقا لما ورد في خطابه، أن يخرج الحوار بما يقوي اللحمة الوطنية، ويعزز رباط المواطنة، ويرسخ العدل والإنصاف، ويجعل المؤسسات أكثر قوة وانسجاما وفعالية.
وفي واحدة من أكثر فقرات الخطاب دلالة، تساءل ولد الغزواني عما إذا كانت المنظومة المؤسسية التي أنشئت في الماضي ما تزال كافية للاستجابة للحاجات الراهنة للدولة والمجتمع، وما الذي ينبغي تطويره فيها حتى تعزز الوحدة الوطنية وترسخ دولة المواطنة والقانون والمؤسسات.
وأحال الرئيس هذه الأسئلة إلى إرث الرئيس المؤسس المختار ولد داداه، داعيا إلى «تحيين» الإجابة عن سؤال الدولة انطلاقا من الواقع الراهن للمجتمع والدولة.
غير أن خطاب أطار لم يكن مخصصا للحوار وحده، فقد تضمن دفاعا واضحا عن حصيلة النظام، خصوصا في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، في وقت تواجه فيه السلطة انتقادات من المعارضة وبعض الفاعلين السياسيين بشأن ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
وقال ولد الغزواني إن «الوضع العام للبلد جيد ولله الحمد»، وإن «الوضعية الاقتصادية تحت السيطرة»، متوقعا تحقيق نمو في حدود 5 في المئة خلال السنة، رغم تأثيرات الظروف الدولية على الأسعار وسلاسل الإمداد.
وأكد أن الأسواق الوطنية يتم تموينها «بوفرة وبشكل طبيعي»، وأن الحكومة تعمل، بالشراكة مع الفاعلين الاقتصاديين، على الحد من ارتفاع أسعار المواد الأكثر استهلاكا.
كما أشار إلى استمرار الدعم المباشر للأسر الأقل دخلا والمتقاعدين، ومواصلة تنفيذ البرامج التنموية التي التزمت بها الحكومة.
وفي الوقت نفسه، لم يتجاهل الرئيس وجود مشكلات داخلية، إذ أقر بوجود «تحديات وصعوبات واختلالات»، مؤكدا العمل على رفعها وتذليلها وتصحيحها.
وتحمل هذه الصيغة محاولة للجمع بين الدفاع عن الأداء الحكومي والاعتراف بوجود صعوبات؛ فالرئيس لا يقدم صورة لبلد خال من المشكلات، لكنه يرفض في المقابل الرواية التي تختزل الوضع الاقتصادي والاجتماعي في الغلاء وتراجع القدرة الشرائية.
وهنا يكتسب الحديث عن الحوار بعدا إضافيا، إذ إن قضايا العدالة والإنصاف والمواطنة وفعالية المؤسسات التي وضعها الرئيس في صلب أهداف الحوار ترتبط بصورة مباشرة بأسئلة التنمية وتوزيع الفرص والخدمات وثمرات النمو.
وقد قال الغزواني إن الغاية النهائية هي أن يشعر كل مواطن بأن نصيبه من الفرص المتاحة وخدمات الدولة وثمار نموها يصله «على أسس متينة من الإنصاف والمساواة».
رسالة إلى مختلف الأطراف
وفي الجانب السياسي، دعا الرئيس المشاركين في الحوار إلى تغليب المصلحة العامة والتحلي بالمرونة والمسؤولية، وأن يساهم كل طرف «من موقعه» في إنجاحه.
وتبدو هذه الدعوة موجهة إلى جميع الأطراف، وليس إلى المعارضة وحدها، خصوصا أن الرئيس يرفض أن يكون الحوار مجرد عملية تفرض فيها جهة رؤيتها على بقية المشاركين.
لكن نجاح هذا التصور سيظل مرتبطا بما سيطرح فعليا على طاولة الحوار، وبمدى قدرة الأطراف على الاتفاق على القضايا التي تحتاج إلى مراجعة، ثم بمدى استعداد السلطة لتحويل المخرجات إلى إجراءات وإصلاحات ملموسة.
فعبارة «لا محظورات» ستظل، عمليا، مرتبطة بمدى اتساع جدول الأعمال، بينما سيشكل اشتراط عدم المساس بأسس الجمهورية والهوية الوطنية الإطار العام الذي يريد الرئيس أن يتحرك الحوار داخله.
ومن ثم، فإن خطاب أطار يمكن قراءته باعتباره محاولة من الغزواني لتحديد السقف السياسي والفكري للحوار قبل انطلاقه: انفتاح على مراجعة المسارات والمؤسسات، دون إعادة تأسيس الدولة، وإقرار بوجود اختلالات، دون التسليم بفشل التجربة، ودعوة إلى نقاش واسع، مع التمسك بثوابت الجمهورية.
وفي انتظار الموعد الفعلي لانطلاق الحوار، يبدو أن التحدي الأكبر لن يكون في جمع القوى السياسية حول طاولة واحدة، وإنما في قدرتها على إنتاج توافق يتجاوز العبارات العامة إلى حلول عملية لقضايا الدولة والمجتمع.
وبالنسبة للرئيس، فإن الرهان لا يتعلق فقط بإدارة خلاف سياسي آني، وإنما بتجديد «العقد الوطني» بما يجعله أكثر قدرة، بحسب تعبيره، على استيعاب التحولات التي تشهدها موريتانيا والاستجابة لتطلعات أجيالها الجديدة. أما بالنسبة للمواطن، فسيبقى معيار نجاح هذا المسار مرتبطا في النهاية بمدى انعكاس مخرجاته على حياته اليومية، وعلى العدالة والإنصاف والخدمات وفرص التنمية.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات