وجدت علاقات الجزائر مع النيجر طريقها نحو الخروج من الأزمة التي أعقبت الانقلاب على الرئيس السابق محمد بازوم، بفعل سياسة براغماتية تقوم على الاستثمار والمشاريع المشتركة خاصة في مجال الطاقة، وهو ما قرّب بين سلطتي البلدين وسمح منذ مطلع السنة الجارية بتبادل رفيع للزيارات.
وبعد نحو عامين من التوترات السياسية والدبلوماسية التي رافقت التحولات التي شهدتها منطقة الساحل، عادت الجزائر ونيامي إلى تغليب منطق المصالح الاقتصادية والتنموية، عبر إطلاق مشاريع استراتيجية لعل أبرزها بدء أشغال الشطر الجزائري من مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالجزائر مرورا بالنيجر، في خطوة تعتبر مفصلية في مسار التعاون الثلاثي بين البلدان المعنية.
وفي بحر الأسبوع الأخير، أشرف وزير المحروقات الجزائري محمد عرقاب، رفقة وزير الدولة النيجيري المكلف بالغاز إكبيريكبي إيكبو ووزير البترول النيجري حمادو تيني، على إعطاء إشارة انطلاق الأشغال بمنطقة أولف بولاية أدرار جنوب غرب الجزائر، بعد يوم واحد فقط من اعتماد التقرير النهائي لدراسة الجدوى المحينة الخاصة بالمشروع.
ويعد هذا الأنبوب من أكبر المشاريع الطاقوية المهيكلة في القارة الأفريقية، إذ يمتد على مسافة تناهز أربعة آلاف كيلومتر، ويرتقب أن ينقل ما بين 20 و30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا من نيجيريا عبر النيجر إلى الجزائر، قبل توجيهه نحو الأسواق الدولية. كما يعزز المشروع موقع النيجر كحلقة أساسية في شبكة الطاقة الإقليمية، ويمنحها دورا اقتصاديا جديدا يتجاوز بعدها الجغرافي كبلد عبور.
وامتد التقارب الجزائري النيجري إلى سلسلة من الاتفاقيات العملية التي أبرمت خلال الأسابيع الأخيرة بين مجمع سوناطراك والشركة الوطنية النيجرية للبترول «سونيديب». وشملت هذه الاتفاقيات إنشاء شركة مختلطة لأشغال الحفر النفطي والغازي في النيجر، والتعاون في مجال اقتناء ومعالجة البيانات الزلزالية، إضافة إلى تطوير أنشطة توزيع المنتجات البترولية داخل السوق النيجرية.
وفي السياق ذاته، يبرز مشروع «كافرا» النفطي باعتباره أحد أبرز المشاريع المشتركة الجاري تطويرها بين البلدين، حيث أعلن وزير البترول النيجري أن المشروع سيدخل مرحلته التشغيلية ابتداء من شهر تموز/يوليو المقبل، في مؤشر إضافي على تسارع وتيرة التعاون الطاقوي بين الجزائر ونيامي.
وبالتوازي مع مشاريع النفط والغاز، اختارت الجزائر توسيع حضورها في قطاع الكهرباء بالنيجر، من خلال إنجاز محطة «التضامن» لتوليد الكهرباء بمنطقة غورو باندا بالعاصمة نيامي. وقد دُشنت المحطة مطلع حزيران/يونيو الجاري خلال زيارة الوزير الأول سيفي غريب إلى النيجر بتكليف من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.
وتبلغ القدرة الإنتاجية للمحطة 40 ميغاواط، وقد أنجزتها شركة «سونلغاز الدولية» الجزائرية، في ظرف وجيز لم يتجاوز شهرين ونصف الشهر، بعد تعبئة لوجستية وبشرية كبيرة شملت نقل المعدات عبر عشرات الرحلات الجوية وتجنيد عشرات المهندسين والتقنيين. ويرتقب أن ترفع هذه المنشأة الإنتاج الوطني للكهرباء في النيجر بنحو 20 بالمائة، بما يسمح بتحسين تزويد العاصمة نيامي بالطاقة الكهربائية.
ويأتي هذا المشروع كجزء من استراتيجية أوسع تقوم على تصدير الخبرة الجزائرية في مجالات الطاقة والبنى التحتية نحو دول الساحل. وفي هذا الإطار، تعمل «سونلغاز الدولية» على إعداد دراسات لإعادة تأهيل وتعزيز الشبكة الكهربائية النيجرية، خاصة على محور نيامي-أغاديز، فضلا عن دراسة إنشاء مركز متخصص في توفير قطع الغيار وخدمات الصيانة لضمان استمرارية المنشآت المنجزة.
وجاءت هذه المشاريع الاقتصادية متزامنة مع حركية سياسية متسارعة بين البلدين. فخلال الأشهر الماضية، شهدت العلاقات الجزائرية النيجيرية تبادلا مكثفا للزيارات الرسمية، بدءا بزيارة الرئيس النيجري الفريق عبد الرحمن تياني إلى الجزائر في شباط/فبراير الماضي، والتي اعتُبرت نقطة التحول الأساسية في إعادة الدفء للعلاقات الثنائية.
وخلال تلك الزيارة، أقر الرئيس عبد المجيد تبون بشكل صريح بأن العلاقات بين البلدين مرت بفترة «غير طبيعية» اتسمت بالبرودة، مؤكدا أن الطرفين اتفقا على إعادة إطلاق التعاون في مختلف المجالات الأمنية والاقتصادية والطاقوية. كما أعلن آنذاك عن الشروع في تنفيذ مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء مباشرة بعد شهر رمضان، وهو ما تجسد عمليا بإطلاق الأشغال الرسمية للشطر الجزائري من المشروع.
وتواصلت هذه الديناميكية عبر انعقاد اللجنة المشتركة الكبرى الجزائرية-النيجرية في نيامي خلال شهر آذار/مارس، والتي أفضت إلى توقيع نحو عشرين اتفاقية تعاون في مجالات متعددة. كما تبعتها زيارات متبادلة بين الوزراء والمسؤولين التنفيذيين من الجانبين لمتابعة تنفيذ الاتفاقيات وضمان انتقالها من مستوى النصوص إلى مستوى الإنجاز الميداني.
ويأتي هذا الانفتاح المتجدد على النيجر ضمن توجه أوسع تبنته الجزائر تجاه منطقة الساحل خلال الأشهر الأخيرة، يقوم على دعم الاستقرار السياسي بالتنمية الاقتصادية. وقد ظهر ذلك بوضوح في عقد الرئيس تبون اجتماعا خاصا يتعلق بتطوير مشاريع مشتركة مع النيجر وتشاد في مجالات الطاقة والطرقات والبنى التحتية والتكوين.
كما رافق هذا التوجه خطاب أكثر هدوءا تجاه الأزمات السياسية والأمنية في المنطقة، خاصة في مالي. ففي تصريحاته الأخيرة، شدد الرئيس الجزائري على أن حل الأزمة المالية لا يمكن أن يكون أمنيا فقط، بل يجب أن يمر عبر الحوار بين مختلف الأطراف المالية، مع الإشارة إلى أن رئيس السلطة العسكرية الحالية في مالي ماسيمو غوايتا لم تصدر عنه إساءات باتجاه الجزائر.
وفسر مراقبون هذا الخطاب باعتباره جزءا من مقاربة تسعى إلى تخفيف التوترات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الأخيرين، وإعادة بناء الثقة مع العواصم المجاورة عبر المشاريع الاقتصادية والتعاون الميداني. فالعلاقات الجزائرية النيجيرية لم تكن بمنأى عن تداعيات التحولات السياسية التي أعقبت انقلاب تموز/يوليو 2023 في نيامي. وقد ظهرت خلافات بين الطرفين بشأن المبادرة الجزائرية لحل الأزمة السياسية في النيجر، كما شهدت العلاقات توترات مرتبطة بملف الهجرة غير النظامية وعمليات ترحيل المهاجرين إلى الحدود الجنوبية.
وبلغ التوتر ذروته في نيسان/أبريل 2025 عقب حادثة إسقاط طائرة مسيرة مالية اخترقت المجال الجوي الجزائري، حين قررت النيجر، إلى جانب مالي وبوركينافاسو، سحب سفرائها من الجزائر تضامنا مع باماكو، وهو ما ردت عليه الجزائر بإجراءات مماثلة. غير أن التطورات اللاحقة أظهرت رغبة متبادلة في تجاوز تلك المرحلة، على الأقل من النيجر التي تعتبر تاريخيا من أكثر الدول في منطقة الساحل قربا للجزائر.

تعليقات الزوار
لا تعليقات