أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن حزمة مشاريع تنموية لفائدة دولتي النيجر والتشاد، تشمل محطات الطاقة وبناء الطرق وتكوين التقنيين والإطارات، في وقت تراقب البلاد عن كثب ما يجري في مالي بسبب انعكاساته المباشرة على الحدود الجنوبية للبلاد.
وخلال اجتماع مجلس الوزراء برئاسة تبون، عُرضت اتفاقيات التعاون الثنائية مع كل من النيجر وتشاد، حيث تم التشديد على ضرورة الانتقال من التعاون التقليدي إلى شراكات متعددة القطاعات ذات طابع عملي، مع تحديد آجال تنفيذ دقيقة ومتابعة تقنية مستمرة. وفي ما يخص الشراكة مع النيجر، تم التأكيد على تسريع إنجاز محطة إنتاج الطاقة، على أن تدخل حيز الخدمة خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، وفق جدول زمني مضغوط يهدف إلى تلبية الطلب المحلي على الكهرباء وتعزيز البنية التحتية الطاقوية في هذا البلد.
كما تضمنت التوجيهات توسيع مجالات التعاون لتشمل أنشطة التنقيب واستغلال النفط، مع بحث صيغ تقنية واستثمارية تتيح نقل الخبرة الجزائرية في هذا المجال، خاصة في ما يتعلق بالدراسات الجيولوجية وتقنيات الحفر والإنتاج. وتم التأكيد كذلك على إنشاء آليات متابعة مشتركة، تقوم على تكثيف الزيارات الوزارية وتفعيل قنوات اتصال مباشرة بين الهيئات التقنية، بما يسمح بتقييم دوري لمستوى تقدم المشاريع ومعالجة العراقيل الميدانية في حينها.
أما بخصوص التعاون مع تشاد، فقد ركزت التوجيهات على تعزيز الشراكة في مجالات الطاقة وتوليد الكهرباء والاستكشافات النفطية، إلى جانب مشاريع صناعية وبنى تحتية. وتم إعطاء أولوية لمشروع إنشاء مصنع للإسمنت بطاقة إنتاجية تفوق مليون طن سنويا، وهو مشروع يستهدف دعم قطاع البناء المحلي وتقليص الاعتماد على الواردات، مع إمكانية توجيه جزء من الإنتاج إلى الأسواق المجاورة.
وفي قطاع الأشغال العمومية، تم اتخاذ قرار بالتكفل الفوري بإنجاز مقطعين من الطريق العابر للصحراء داخل التراب التشادي، من قبل مؤسسات جزائرية عمومية متخصصة، وذلك لاستكمال الجزء المتبقي من هذا المحور القاري الذي يربط شمال إفريقيا بعمقها الإفريقي. ويهدف هذا المشروع إلى تسهيل حركة السلع والأشخاص، ورفع حجم المبادلات التجارية بين الجزائر وتشاد، إضافة إلى دوره في فك العزلة عن بعض المناطق الداخلية.
ووفق الحكومة الجزائرية، بدأت مرحلة التجسيد الميداني بسرعة، حيث حل وفد تقني جزائري رفيع المستوى بالعاصمة التشادية نجامينا، يضم ممثلين عن وزارة الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية، والوكالة الجزائرية للتعاون الدولي، إلى جانب مؤسسات عمومية مختصة في إنجاز الطرقات والرقابة التقنية. وخصصت الزيارة لبحث التحضيرات الأولية لانطلاق الأشغال، بما في ذلك الدراسات التقنية، تحديد المسارات، الجوانب اللوجستية، وآليات التمويل والتنفيذ.
وشملت المباحثات مع الجانب التشادي تحديد طبيعة المقطعين المزمع إنجازهما، والاتفاق على أن تتولى المؤسسات الجزائرية إنجاز الجزء المتبقي من الطريق وفق معايير تقنية موحدة، مع مراعاة الخصائص الجغرافية والمناخية للمنطقة. كما تم التطرق إلى الجوانب المتعلقة بتأهيل اليد العاملة المحلية، من خلال برامج تكوين يشرف عليها خبراء جزائريون، بما يسمح بنقل المعرفة وضمان استدامة المشروع.
وتندرج هذه المشاريع ضمن رؤية تسعى الجزائر من خلالها إلى تعزيز حضورها الاقتصادي في منطقة الساحل، عبر أدوات تنموية تقوم على البنية التحتية والطاقة والتكوين، في موازاة دورها التقليدي في الوساطة السياسية. ويأتي هذا التوجه في ظل إدراكٍ، كان قد عبّر عنه المسؤولون الجزائريون في أكثر من مناسبة، بأن تحسين الظروف الاقتصادية في دول الجوار ينعكس بشكل مباشر على استقرار الحدود الجنوبية الممتدة، والتي تواجه تحديات مرتبطة بالهجرة غير النظامية والجماعات المسلحة وشبكات التهريب.
تطورات الوضع في مالي
وفي مقابل ذلك، تواصل الجزائر متابعة الوضع في مالي، الذي يشهد تطورات أمنية متسارعة في ظل تصاعد الهجمات المسلحة وتراجع مسار التسوية السياسية. وقد أكد الرئيس الجزائري أن بلاده تتابع ما يجري هناك بدقة، مع الحفاظ على قنوات اتصال غير مباشرة مع باماكو، خاصة بعد الأحداث الأمنية الأخيرة.
وفي تصريحاته خلال حواره الأخير على التلفزيون الجزائري، أشار تبون إلى أن قائد مالي أسيمي غويتا لم يصدر عنه أي موقف مسيء تجاه الجزائر، معتبرا أن بعض الأطراف المحيطة به هي التي تصدر تصريحات تصعيدية، وهو ما فُهم على أنه محاولة للتمييز بين مواقف القيادة الرسمية وبعض الخطابات المتشددة، في سياق تهدئة التوتر.
كما عبّر تبون عن أسفه للوضع الذي آلت إليه الأوضاع في مالي، مشيرا إلى أن المؤشرات كانت تدل على إمكانية تفاقم الأزمة، مع تأكيده على أن الحل لا يمكن أن يكون أمنيا صرفا، بل يمر عبر الحوار بين مختلف مكونات المجتمع المالي. وأكد في هذا السياق أن الجزائر لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وأن اتفاق السلم والمصالحة الموقع في 2015 يظل إطارا يخص الماليين أنفسهم، وهو الاتفاق الذي تم وقف العمل به قبل سنتين من قبل سلطة باماكو.
واعتبر الرئيس الجزائري أن اللجوء المتكرر إلى القوة لحل الأزمات في مالي لم يحقق نتائج دائمة، معتبرا أن الحوار يظل الخيار الأكثر قابلية للاستمرار، حتى في حالات الانتقال السياسي غير الدستوري، حيث يمكن لاحقا إيجاد صيغ لإضفاء الشرعية على المسار السياسي. ورغم التوترات القائمة، أبدى تبون قناعة بإمكانية تجاوز هذه المرحلة، مستندا إلى تجارب سابقة عاد فيها الفرقاء في مالي إلى طاولة الحوار، معتبرا أن الجزائر يمكن أن تلعب دورا في هذا المسار إذا ما طُلب منها ذلك.
وكانت العلاقات الجزائرية المالية قد تدهورت بشكل غير مسبوق منذ نيسان/أبريل 2025 بعد حادثة إسقاط طائرة مسيرة تابعة للجيش المالي دخلت المجال الجوي الجزائري. وسرعان ما أخذت هذه الحادثة أبعادًا سياسية أوسع، بإعلان دول مالي والنيجر وبوركينافاسو المتحالفة فيما بينها، استدعاء سفرائها من الجزائر التي ردّت مباشرة بالمثال. لكن الجزائر استعادت مؤخرا علاقاتها مع النيجر ووقعت معها على عدة اتفاقات اقتصادية.

تعليقات الزوار
لا تعليقات