أخبار عاجلة

مجلس الدولة الليبي يعيد تشكيل لجنة (6+6)

في مشهد ليبي لا يكف عن التحول بين محاولات كسر الجمود وتفاقم الخلافات، عاد المجلس الأعلى للدولة ليتصدر واجهة التطورات السياسية، عبر قرارات تنظيمية جديدة تعكس سعيه لإعادة ضبط مسار العملية الانتخابية من الداخل، في مقابل استمرار التجاذبات مع المسارات الأممية، خاصة بعد اجتماع روما الذي لا يزال يلقي بظلاله على مواقف الأطراف المختلفة.
وصوّت المجلس الأعلى للدولة خلال جلسة رسمية عقدها في طرابلس، برئاسة محمد تكالة، على إعادة تشكيل لجنة القوانين الانتخابية المعروفة بـ(6+6)، في خطوة تهدف إلى إعادة إحياء المسار التشريعي المنظم للاستحقاق الانتخابي، وذلك بعد تعثر تطبيق مخرجات اللجنة السابقة منذ عام 2023.
ووفق القرار الجديد، تتكون اللجنة من ستة أعضاء، بواقع ثلاثة من لجنة (6+6) السابقة، وثلاثة من اللجنة التي شكّلها مكتب رئاسة المجلس في وقت سابق، في محاولة للجمع بين الخبرة السابقة والمعطيات الحالية، بما يسمح بإعادة النظر في القوانين الانتخابية وتجاوز نقاط الخلاف التي أعاقت تنفيذها.
وفي السياق ذاته، أعلن المجلس تشكيل لجنة موسعة مكونة من 15 عضواً يمثلون مختلف الدوائر الانتخابية، تتولى مهمة التواصل المباشر مع مجلس النواب، وسط توقعات بأن يقدم البرلمان على تشكيل لجنة مقابلة، بما يعيد تفعيل قنوات التنسيق بين المؤسستين التشريعيتين بعد فترة من التباعد.
وتناولت الجلسة كذلك مستجدات العملية السياسية، حيث قدّم تكالة إحاطة حول دور البعثة الأممية والتحديات التي تواجه المجلس في الحفاظ على موقعه ضمن المشهد السياسي، مؤكداً أن الإجراءات المتخذة تأتي في إطار صون المؤسسة وتعزيز فاعليتها، دون أن تستهدف أشخاصاً بعينهم.
لكن الجلسة لم تخلُ من التوتر، إذ برزت تجاذبات حادة على خلفية منع عضو المجلس عبد الجليل الشاوش من حضور الجلسة، حيث قال الأخير إن منعه جاء بسبب توقيعه على اتفاق الميزانية الموحدة، معتبراً ذلك إجراءً ذا طابع سياسي.
في المقابل، نفى المجلس هذه الاتهامات، موضحاً أن قرار منع الشاوش يستند إلى تجميد عضويته بقرار سابق نتيجة مخالفات للوائح الداخلية، مشدداً على أن الخطوة تأتي في إطار الحفاظ على سيادة المؤسسة والانضباط الداخلي، بعيداً عن أي اعتبارات شخصية. وتأتي هذه التطورات بعد أيام من موقف تصعيدي تبناه المجلس الأعلى للدولة تجاه مخرجات اجتماع روما، حيث أعلن بشكل صريح أن تلك المخرجات لا تمثله ولا تلزم مؤسساته، متهماً بعثة الأمم المتحدة بتجاوز الأطر القانونية المنظمة للعمل السياسي في ليبيا. وأشار المجلس إلى أن مشاركة بعض أعضائه في اجتماعات روما جرت دون تفويض رسمي، معتبراً أن ذلك يمثل خرقاً للنظام الداخلي، ومؤكداً أن أي قرارات أو تفاهمات تصدر خارج جلساته الرسمية مكتملة النصاب لا يعتد بها قانونياً أو سياسياً.
كما شدد على أن القضايا المرتبطة بالمفوضية الوطنية العليا للانتخابات والقوانين المنظمة للعملية الانتخابية تظل من اختصاص المؤسسات التشريعية، محذراً من أن أي مسارات موازية قد تؤدي إلى تعقيد المشهد وإطالة أمد الأزمة السياسية.
وفي هذا السياق، دعا المجلس البعثة الأممية إلى مراجعة نهجها والالتزام بحدود ولايتها، مع احترام السيادة المؤسسية الليبية، مؤكداً أن الحل السياسي يجب أن ينطلق من داخل المؤسسات القائمة وليس عبر ترتيبات خارجية.
وتتقاطع هذه المواقف مع تحفظات سابقة عبّر عنها رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، الذي شدد على ضرورة أن تستند أي ترتيبات انتخابية إلى إطار قانوني ودستوري واضح، محذراً من إقحام أطراف خارج الأطر المؤسسية في ملفات حساسة كالقوانين الانتخابية وتشكيل المفوضية.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة الجدل المستمر حول آليات إدارة المرحلة الانتقالية في ليبيا، في ظل تعدد المسارات بين ما هو أممي وما هو محلي، حيث تحاول كل مؤسسة الحفاظ على دورها وصلاحياتها ضمن معادلة سياسية معقدة.
وتعود جذور هذا الجدل إلى مخرجات لجنة (6+6) التي أُقرت في حزيران/يونيو 2023 خلال اجتماعات بوزنيقة، والتي وضعت القوانين المنظمة للانتخابات، لكنها واجهت لاحقاً اعتراضات حالت دون تنفيذها، ما دفع إلى البحث عن صيغ بديلة لإعادة تحريك الملف الانتخابي.
ومع إطلاق البعثة الأممية لمسار «الاجتماع المصغر» (4+4) في روما، برزت محاولة لتجاوز حالة الانسداد عبر إشراك عدد محدود من الفاعلين السياسيين، وهو ما اعتبره المجلس الأعلى للدولة مساراً موازياً يفتقر إلى الشرعية المؤسسية.
في المقابل، يرى بعض المتابعين أن هذا المسار يمثل محاولة تقنية لكسر الجمود، عبر معالجة نقاط الخلاف حول تشكيل المفوضية والقوانين الانتخابية، تمهيداً لإعادة إطلاق العملية الانتخابية التي تعطلت لسنوات.
غير أن نجاح أي من هذه المسارات يظل مرهوناً بمدى قدرة المؤسسات الليبية على التوصل إلى توافق داخلي، خاصة بين مجلسي النواب والدولة، باعتبارهما الجهتين المخولتين بإقرار القوانين الانتخابية وتحديد الإطار الدستوري للعملية السياسية.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو خطوة المجلس الأعلى للدولة بإعادة تشكيل لجنة (6+6) وتفعيل التواصل مع مجلس النواب، محاولة لإعادة الإمساك بزمام المبادرة من الداخل، في مقابل تقليص تأثير المسارات الخارجية، أو على الأقل ضبطها ضمن الإطار المؤسسي.
لكن استمرار الخلافات، سواء داخل المجلس نفسه أو مع الأطراف الأخرى، يطرح تساؤلات حول قدرة هذه الخطوات على تحقيق اختراق حقيقي، أم أنها ستبقى ضمن دائرة إعادة إنتاج الأزمة بصيغ مختلفة، في انتظار توافق أوسع يضع البلاد على طريق الانتخابات والاستقرار.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات