في ظل موجة جديدة من ارتفاع أسعار المحروقات، تجد موريتانيا نفسها أمام معادلة اقتصادية واجتماعية دقيقة، حيث أعلنت الحكومة عن زيادة جديدة في أسعار الديزل والبنزين هي الثانية في ظرف شهر، في خطوة أعادتها السلطات لتقلبات السوق الدولية واستمرار الضغط على المالية العامة.
وأعلنت اللجنة الوطنية للمحروقات عن زيادة جديدة في الأسعار، هي الثانية خلال نحو شهر، والثالثة منذ بداية العام، ما أعطى الانطباع بأن الأمر لم يعد مجرد تعديل ظرفي، بل توجه مستمر لإعادة ضبط الأسعار.
وبموجب القرار، ارتفع سعر «الكازوال» في نواكشوط من 563.5 إلى 619.2 أوقية قديمة، أي بنسبة 5%، فيما صعد سعر البنزين من 589 إلى 619.2 أوقية قديمة، بزيادة قاربت 5.1%.
وتأتي الزيادة الجديدة في أسعار الديزل والبنزين في موريتانيا في سياق مسار إصلاحي متدرج تتبناه الحكومة، يقوم على مراجعة آلية تسعير المحروقات وربطها بشكل أكبر بتقلبات السوق الدولية، بعد سنوات من اعتماد نظام تثبيت الأسعار الذي كانت الدولة تتحمل بموجبه جزءاً كبيراً من التكلفة.
وسرعان ما أثارت هذه الزيادة ردود فعل سياسية غاضبة، مع تصاعد احتجاجات الأحزاب التي حذرت من تداعيات القرار على القدرة الشرائية للمواطنين، في وقت بدأت فيه ملامح موجة غلاء تطال أسعار النقل والمواد الأساسية.
ولم تتأخر المعارضة الموريتانية في التقاط هذا التناقض، حيث اعتبرت أن الزيادة تعكس غياب رؤية اقتصادية متكاملة، وأنها تمثل استمرارًا لنهج تحميل المواطن كلفة الأزمات.
وقد تحولت هذه الزيادة إلى شرارة احتجاج سياسي داخل البرلمان، حيث انسحب نواب من المعارضة من جلسة علنية، بالتزامن مع عرض وزير الطاقة والنفط محمد ولد خالد لمشروع «مدونة الجمارك» أمام البرلمان.
وشكلت خطوة الانسحاب تعبيرًا مباشرًا عن رفض سياسي لقرار اقتصادي، لكنها في العمق تعكس تصاعد التوتر حول إدارة الحكومة لملف حساس يمس الحياة اليومية للمواطنين.
وفي هذا السياق، عبّر حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) عن رفضه الشديد للقرار، داعيًا إلى التراجع عنه، ومحذرًا من تداعياته على أسعار النقل والمواد الأساسية، ومطالبًا بإجراءات عاجلة لحماية الفئات الهشة.
وأضاف: «تابعنا في حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية باستهجان بالغ واستغراب القرار الحكومي الأخير القاضي برفع أسعار المحروقات من جديد، في خطوة تضيف حلقة أخرى في مسلسل إثقال كاهل المواطن الموريتاني المرهق أصلاً بالأعباء المعيشية المتزايدة». «إن هذه الزيادة الثالثة من نوعها في بضعة أشهر، يضيف الحزب، لتكشف بوضوح غياب رؤية اقتصادية واجتماعية متوازنة لدى الحكومة، وتعكس إصرارًا غير مبرر على تحميل المواطنين، وخاصة الفئات الأكثر فقرًا وهشاشة، تبعات اختلالات لا يد لهم فيها».
«إننا في حزب «تواصل»، يضيف البيان، إذ نعبر عن إدانتنا لذلك القرار لنؤكد على مطالبة الحكومة بالتراجع الفوري عن هذه الزيادة غير المبررة، كما نؤكد رفضنا الشديد لسياسة الزيادات المتوالية التي ستنعكس بشكل مباشر على أسعار النقل والمواد الأساسية، مما يفاقم من معاناة المواطنين في ظل أوضاع معيشية صعبة أصلاً، كما نؤكد رفضنا التام لسياسة ترحيل الأزمات الاقتصادية إلى جيوب المواطنين بدل البحث عن حلول هيكلية ومستدامة لها، ونطالب باتخاذ إجراءات عاجلة لحماية الفئات المجتمعية الهشة، وضبط أسعار المواد الأساسية، مع خفض الجمركة المفروضة على المحروقات».
ودعا الحزب «القوى الوطنية الحية، من أحزاب سياسية ونقابات ومنظمات مجتمع مدني، إلى التعبير السلمي عن رفضها لهذه السياسات، والوقوف صفًا واحدًا دفاعًا عن حقوق المواطنين وكرامتهم».
كما صعّد نواب معارضون خطابهم، معتبرين أن الزيادة غير مبررة في ظل استقرار نسبي للأسعار العالمية، محملين السلطات مسؤولية أي انعكاسات اجتماعية محتملة، في ظل تنامي المخاوف من موجة غلاء جديدة.
ومع اتساع رقعة الرفض، انضم حزب العمران المعارض إلى المنتقدين، معتبرًا أن القرار يكشف عجزًا في التعامل مع تداعيات الأزمات الدولية، خاصة المرتبطة بإمدادات الطاقة.
وحذر الحزب من أن استمرار هذه الزيادات سيؤدي حتمًا إلى ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، داعيًا الحكومة إلى تبني سياسات أكثر توازنًا، تستجيب لمتطلبات الاستقرار الاقتصادي وتحمي القدرة الشرائية للمواطنين.
وبين تأكيد رسمي على مواصلة دعم الوقود، واستياء سياسي وشعبي من انعكاسات الزيادة، يتجدد الجدل في البلاد حول حدود تدخل الدولة في تسعير المحروقات، ومدى قدرتها على التوفيق بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. ورغم هذا التوجه نحو التحرير، تكشف الأرقام الرسمية أن الدولة لا تزال تتحمل عبئاً مالياً معتبراً في دعم الوقود، خاصة مادة الديزل التي تُعد الأكثر استهلاكاً في قطاعات النقل والإنتاج؛ فقد أوضح وزير البترول والطاقة مؤخراً، أن الدولة تقدم دعماً مباشراً يصل إلى 3100 أوقية قديمة عن كل 5000 أوقية من سعر الديزل، ما يعكس استمرار تدخل الخزينة لتخفيف أثر الأسعار على المستهلكين.
كما تشير المعطيات الحكومية إلى أن إجمالي الدعم الذي تم ضخه حتى الآن بلغ نحو 17 مليار أوقية قديمة، وقد تم تخصيص غالبية هذا المبلغ عقب اندلاع الأزمة في الشرق الأوسط، والتي أدت إلى ارتفاعات ملحوظة في أسعار النفط العالمية، وهو ما زاد من كلفة الاستيراد على البلاد.
وتقدم الحكومة مبررات تبدو، في ظاهرها، مرتبطة بضرورات التوازن الاقتصادي، حيث تشير معطيات إلى سعيها لتخفيف الضغط على المخزون الوطني من الوقود، في ظل اضطرابات الإمدادات العالمية المرتبطة بممرات حيوية مثل مضيق هرمز؛ كما تسعى، في الآن ذاته، إلى تقليص فاتورة الدعم التي يُتوقع أن تبلغ نحو 189 مليار أوقية قديمة هذا العام، وهو رقم يثقل كاهل الميزانية ويقتطع نسبة معتبرة من الإنفاق العمومي.
غير أن هذا المنطق الاقتصادي يصطدم بواقع اجتماعي هش، إذ إن أي ارتفاع في أسعار الوقود يمتد تأثيره سريعًا إلى النقل وأسعار المواد الأساسية، ما يضاعف الأعباء على المواطنين، خاصة الفئات الأكثر هشاشة. وهنا يتجلى التحدي الحقيقي: كيف يمكن للدولة أن توازن بين ضرورات ضبط المالية العامة ومتطلبات الاستقرار الاجتماعي؟
والواقع أن أزمة المحروقات ليست مجرد أرقام تُضاف إلى لوائح الأسعار، فهي مرآة لاختلالات أعمق في إدارة الاقتصاد، واختبار حقيقي لقدرة الدولة على صياغة حلول لا تكتفي بإدارة الأزمة، بل تسعى إلى تفكيك جذورها.
وبين ضغط الشارع وحسابات الميزانية، تظل الخيارات مفتوحة، لكن الأكيد هو أن كلفتها السياسية والاجتماعية آخذة في الارتفاع.
زيادة جديدة في أسعار الوقود تثير احتجاجات الأحزاب الموريتانية

تعليقات الزوار
لا تعليقات