أخبار عاجلة

موريتانيا متمسك بالشراكة في مجال الأمن الإقليمي وتبادل الخبرات مع حلف الناتو

أكدت موريتانيا وحلف الناتو عزمهما على تعزيز شراكتهما الأمنية والعسكرية الموازية لمعادلة الاستقرار بمنطقة الساحل التي تشهد حاليا اضطرابات وتوترات، بل ونذر حزب مفتوحة بعد أن تعرضت جمهورية مالي قبل يومين لهجوم مضاد لنظام باماكو منسق بين ثوار الطوارق وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
جاء هذا التأكيد في ختام النسخة الخامسة من الملتقى الرفيع للضباط السامين والسفراء التي استضافتها كلية الدفاع لمجموعة دول الساحل الخمس في نواكشوط، في لحظة إقليمية تتسم بتعقيد التهديدات الأمنية وتداخل التحديات العابرة للحدود، حيث أبرز الطرفان حرصهما على تحويل الملتقى إلى منصة استراتيجية لتبادل الرؤى حول الأمن الإقليمي، وبناء جسور الثقة بما ينسجم مع مقاربة موريتانيا الهادفة إلى لتعزيز قدراتها الدفاعية ومواكبة التحولات الأمنية المتسارعة في منطقة الساحل.
وأكد وزير الدفاع الموريتاني الجنرال حنن ولد سيدي، في مداخلة افتتاحية للملتقى، تشجيعه للجهود التي تبذلها الأركان العامة للجيوش الموريتانية وكلية الدفاع التابعة لحلف الناتو من أجل ضمان استمرار المنصة التكوينية للملتقى الرفيع للضباط السامين والسفراء، من حيث انتظام الدورات ودقة التنظيم وإحكامه».
وأوضح «أن مخرجات هذا الملتقى سيكون لها أثر مميز يعزز من تصميم مختلف الأطراف على تطوير شراكة أكثر ديناميكية وفعالية قادرة على مواجهة التحديات الأمنية المتعددة في فضاءات جيوسياسية متداخلة».
تعزيز التعاون بين الشركاء
وفي مداخلة أخرى أوضح العقيد أحمد محمود البناني قائد كلية الدفاع لمجموعة دول الساحل الخمس «أن هذا الملتقى يهدف إلى تعزيز التعاون بين الشركاء، وتقديم تكوين رفيع المستوى، وتشجيع التبادل الاستراتيجي، وتدعيم التفاهم المتبادل، إضافة إلى معالجة مختلف التحديات الأمنية في شبه المنطقة، كما يهدف، حسب قوله، «إلى تعزيز التعاون في مجال الأمن وتشجيع التبادل رفيع المستوى حول التحديات الأمنية الراهنة، وهو ما تؤكده مشاركة قادة عسكريين كبار، وعدد من السفراء والدبلوماسيين من دول صديقة وشقيقة، في أشغاله، إلى جانب خبراء في المجال الأمني». وأكد الجنرال ماكس نيلسن قائد كلية الدفاع التابعة لحلف الناتو في مداخلة حلف شمال الأطلسي في الملتقى «أن الحلف ينظر إلى موريتانيا كـ»شريك استراتيجي موثوق»، وهو توصيف يحمل دلالات سياسية وأمنية تتجاوز المجاملات الدبلوماسية.
وأشار إلى أن موريتانيا «تضطلع بدور محوري في تعزيز الاستقرار في منطقة الساحل، مستفيدة من موقعها الجغرافي وتجربتها في مكافحة الإرهاب والتطرف». كما لفت إلى «أن الشراكة بين موريتانيا والناتو الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود، أسهمت في تطوير القدرات الدفاعية والأمنية للبلاد، من خلال برامج متعددة تشمل تدريب القوات، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز إدارة الأسلحة والذخائر، ودعم الأمن البحري».
واعتبر الجنرال ماكس نيلسن «أن تنظيم هذا الملتقى الهام في نواكشوط يعكس المكانة المتقدمة التي تحتلها موريتانيا في مجال الأمن الإقليمي، كما يعزز دورها كمركز لتبادل الخبرات وبناء القدرات في منطقة الساحل».
ويأتي تركيز حلف الناتو على موريتانيا، وفقاً لمحللين متابعين لهذا الشأن باعتبارها «نقطة ارتكاز» في استراتيجية الناتو بالساحل؛ فبمقارنة موريتانيا بجيرانها مثل مالي والنيجر، نجد أن نواكشوط حافظت على قدر معتبر من الاستقرار السياسي والأمني، وتبنت منذ سنوات مقاربة استباقية في مكافحة الإرهاب، ما حدّ من نشاط الجماعات المتطرفة داخل أراضيها.
كما أن موقعها الجغرافي، الرابط بين شمال أفريقيا وغربها، وبين الساحل والمحيط الأطلسي، يمنحها أهمية خاصة في مجالات الأمن البحري ومراقبة الحدود، وهو ما يفسر اهتمام حلف الناتو المتزايد بها كشريك إقليمي موثوق. وتعكس طبيعة الشراكة بين موريتانيا والناتو انتقالًا في أدوات العمل من التدخل المباشر إلى «تمكين الشركاء»، فالتعاون الممتد لأكثر من ثلاثة عقود بين الطرفين يشمل مجالات متعددة، من أبرزها التدريب العسكري عبر مؤسسات مثل كلية الدفاع التابعة لحلف الناتو، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز قدرات الأمن البحري، إضافة إلى برامج إدارة الأسلحة والذخائر، ويهدف هذا النمط من التعاون إلى بناء قدرات محلية قادرة على التعامل مع التهديدات دون الحاجة إلى حضور عسكري خارجي مكثف.
هشاشة السلطة المركزية في مالي
ولا يمكن فصل هذا التقارب عن التطورات المتسارعة في مالي ومنطقة الساحل عمومًا، حيث تصاعد نشاط الجماعات المسلحة مثل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وجبهة تحرير أزواد، إلى جانب هشاشة السلطة المركزية في مالي وتكرار الاضطرابات السياسية.
وقد دفع هذا الواقع، القوى الدولية إلى إعادة تقييم استراتيجياتها، والبحث عن شركاء أكثر استقرارًا، وهو ما يجعل موريتانيا في موقع متقدم ضمن هذه المقاربة.
وعلى المستوى الجيوسياسي، يعكس هذا التقارب الملحوظ بين موريتانيا وحلف الناتو الذي جسده الملتقى الرفيع للضباط السامين والسفراء المختتم للتو بكلية الدفاع لمجموعة دول الساحل الخمس في نواكشوط، إعادة تموضع أوسع للحلف في الساحل الإفريقي في ظل تنامي التنافس الدولي، خاصة مع دخول قوى أخرى على خط التأثير الأمني والعسكري في غرب أفريقيا.
وتسعى موريتانيا من جهتها إلى الاستفادة من هذا التنافس لتعزيز قدراتها الدفاعية وضمان أمنها، مع الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الخارجية.
والواضح أن التعاون بين موريتانيا وحلف الناتو يتجاوز البعد العسكري التقني، ليشكل جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في الساحل.
فبينما يسعى الحلف إلى بناء نفوذ غير مباشر ودائم عبر الشركاء المحليين، تعمل نواكشوط على ترسيخ موقعها كفاعل إقليمي في مجال الأمن، مستفيدة من استقرارها النسبي وخبرتها في مواجهة التحديات.
غير أن نجاح هذا المسار يظل مرتبطًا بتطورات الوضع في مالي وبمدى قدرة المنطقة على احتواء التهديدات المتصاعدة.
وخلاصة الأمر أن مخرجات هذا الملتقى تعكس إدراكاً متزايداً لدى موريتانيا وشركائها في الناتو بأن رهانات الأمن في الساحل لا يمكن معالجتها بمقاربات تقليدية أو أحادية، بل تتطلب تنسيقاً متعدد الأبعاد يقوم على تبادل الخبرات، وتطوير القدرات، واستباق التهديدات بدل الاكتفاء بردود الفعل.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه الشراكة يظل مرهوناً بمدى قدرتها على التكيف مع خصوصيات المنطقة، واحترام أولويات الدول المعنية، وتفادي الانزلاق نحو نماذج جاهزة قد لا تنسجم مع الواقع المحلي.
وبين طموح تعزيز الأمن الإقليمي وتحديات السيادة ومتطلبات التنمية، تبدو موريتانيا أمام فرصة لترسيخ نموذج لتوازن دقيق بين الانفتاح على الشركاء الدوليين والحفاظ على استقلالية قرارها وسيادتها.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات