أخبار عاجلة

تصاعد الخلاف بين المنفي والدبيبة

في مشهد ليبي تتقاطع فيه الحسابات الداخلية مع الضغوط الدولية، عاد التوتر بين رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة إلى الواجهة، لكن هذه المرة في سياق أكثر حساسية، يتداخل فيه الجدل القانوني حول صلاحيات السلطة التنفيذية مع محاولات أممية متسارعة لإعادة تحريك العملية السياسية. وبينما يتصاعد السجال بين المؤسستين حول شرعية الإجراءات الحكومية، تنطلق في المقابل مسارات حوار محدودة برعاية الأمم المتحدة، في محاولة لتجاوز الانسداد السياسي المستمر منذ أشهر.
وطالب المنفي، في خطاب رسمي موجه إلى الدبيبة، بضرورة الإسراع في استكمال إجراءات أداء اليمين القانونية للوزراء الجدد أمام المجلس الرئاسي، معتبراً أن هذا الإجراء يمثل شرطاً أساسياً لاكتساب الصفة القانونية ومباشرة المهام. وشدد على أن أي ممارسة للاختصاصات الوزارية قبل استيفاء هذا الشرط لا تترتب عليها آثار قانونية، بل تعد مخالفة صريحة لمبدأ المشروعية.
وفي خطوة تعكس مستوى التصعيد، دعا المنفي إلى وقف اجتماعات مجلس الوزراء وتعليق إصدار القرارات الحكومية إلى حين استكمال الإجراءات الدستورية، محذراً من أن استمرار العمل الحكومي في ظل هذا الوضع قد يترتب عليه تبعات قانونية ومسؤوليات مباشرة. وأوضح أن الخطاب يمثل إخطاراً رسمياً بضرورة تصحيح المسار القانوني القائم، بما يتماشى مع التشريعات النافذة.
هذا التطور يعكس انتقال الخلاف بين المنفي والدبيبة من مستوى التباين في التقديرات السياسية إلى مستوى أكثر حساسية يتعلق بشرعية القرارات الحكومية، وهو ما يضع تماسك السلطة التنفيذية أمام اختبار جديد، خاصة في ظل المرحلة الانتقالية التي تتطلب قدراً عالياً من التنسيق بين المؤسسات. بالتوازي مع ذلك، انطلقت في العاصمة الإيطالية روما أعمال الاجتماع الأول لما يعرف بـ»الطاولة المصغرة 4+4»، برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وبمشاركة ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة في شرق البلاد. ويضم هذا المسار شخصيات من الطرفين في محاولة لمعالجة ملفات محددة، أبرزها القوانين الانتخابية واستكمال تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
وبحسب مصادر سياسية، فإن تفويض هذه المجموعة لا يزال محدوداً في نطاق فني وتشريعي، دون أن يمتد إلى إعادة تشكيل السلطة التنفيذية أو فرض تسويات سياسية شاملة، وهو ما يفسر استمرار التحفظات على هذا المسار، خاصة في بعض الأوساط داخل مدينة مصراتة التي ترى أن أي حل جزئي قد لا يعالج جذور الأزمة.
من جهتها، أكدت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، أن صيغة «4+4» ليست بديلاً عن المسار السياسي العام، بل أداة تكميلية تهدف إلى تذليل العقبات التقنية التي تعرقل الوصول إلى الانتخابات، مشددة على ضرورة أن تظل العملية السياسية بقيادة ليبية.
وتأتي هذه التحركات في إطار ما وصفته البعثة الأممية بـ»الخطة البديلة» التي جرى تفعيلها بعد تعثر مجلسي النواب والأعلى للدولة في تحقيق تقدم يُذكر خلال الأشهر الماضية. وأوضح المتحدث باسم البعثة أن هذا التوجه يستند إلى توصيات اللجنة الاستشارية، ويركز على معالجة القوانين الانتخابية واستكمال مؤسسات العملية الانتخابية، بما يمهد الطريق لإنهاء المراحل الانتقالية.
في هذا السياق، يبدو أن المسار الأممي يتحرك بوتيرة متسارعة لتعويض حالة الجمود، لكن تزامنه مع تصاعد الخلاف داخل السلطة التنفيذية يطرح تساؤلات حول مدى قدرة المؤسسات الليبية على مواكبة هذه التحركات دون أن تتأثر بتبايناتها الداخلية.
ورغم حدة الخطاب بين المنفي والدبيبة، فإن طبيعة الخلاف لا تزال تدور في إطار قانوني ومؤسسي، إذ يركز المجلس الرئاسي على ضبط الاختصاصات السيادية، بينما تسعى الحكومة إلى الاستمرار في إدارة العمل التنفيذي اليومي. هذا التباين يعكس إشكالية أعمق تتعلق بتداخل الصلاحيات في المرحلة الانتقالية، حيث لا تزال الحدود بين دور المجلس الرئاسي والحكومة غير محسومة بشكل كامل.
ويأتي هذا التصعيد في وقت سجلت فيه البلاد بعض المؤشرات الإيجابية على صعيد توحيد المؤسسات، سواء من خلال التفاهمات المالية أو التقارب النسبي في المسار العسكري، وهو ما يجعل من إدارة الخلافات الحالية عاملاً حاسماً في الحفاظ على هذه المكتسبات وعدم تقويضها.
من زاوية أخرى، فإن إطلاق مسار «4+4» يعكس إدراكاً دولياً بأن معالجة القضايا الفنية، مثل قوانين الانتخابات وتشكيل المفوضية، قد تمثل مدخلاً واقعياً لكسر حالة الانسداد، حتى في ظل استمرار الخلافات السياسية بين الأطراف. غير أن نجاح هذا النهج يظل مرتبطاً بمدى قبول الفاعلين المحليين له، وقدرتهم على الفصل بين الخلافات المؤسسية والمسار العام للحل السياسي. وفي ظل هذا المشهد المركب، تبدو ليبيا أمام معادلة دقيقة، تقوم على توازن بين إدارة الخلافات الداخلية والحفاظ على زخم المسار السياسي؛ فبينما يضغط المجتمع الدولي باتجاه تسريع العملية الانتخابية، تفرض التباينات داخل السلطة التنفيذية تحديات إضافية قد تعرقل هذا المسار إذا لم تُدار ضمن أطر قانونية واضحة.
وفي المحصلة، يعكس تصاعد الخلاف بين المنفي والدبيبة اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات الليبية على العمل ضمن منظومة واحدة رغم التباينات، في وقت تتواصل فيه الجهود الأممية لفتح نافذة جديدة نحو الحل. وبين هذا وذاك، يبقى مستقبل العملية السياسية مرهوناً بمدى قدرة الأطراف على تحويل نقاط التوتر إلى فرص لإعادة تنظيم العلاقة بين مؤسسات الدولة، بما يضمن استمرارية المسار السياسي دون انقطاع.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات