تحت شمس تعامدت ظهرا في كبد السماء، وقف الطفل عبد الرحمن النجار في طابور طويل اصطف في ساحة رملية أمام شاحنة توزيع مياه الشرب في منطقة نزوح أسرته في مواصي مدينة خان يونس، يضع أمامه غالونات مياه، كغيره من أطفال ورجال ونساء حضروا إلى المكان، على أمل ملئها بما يضمن لأسرته توفر مياه الشرب ليوم أو يومين على أبعد تقدير، في ظل المعاناة الكبيرة التي تواجهها أسر غزة في توفير المياه.
في تلك الساحة، عكست الرمال الصفراء التي تملأ مواصي خان يونس أشعة الشمس على وجوه منتظري المياه، فيما تصببت أجسادهم عرقا من ارتفاع الحرارة، غير أن هذا لم يثنهم عن إكمال مهمتهم، فالجميع يعي حجم الاحتياج إلى هذه المياه.
أطفال في طوابير العطش
وقد قدم معظم من اصطفوا في الطابور من مناطق النزوح القريبة، وهي تجمع خيام أقامه النازحون قسرا في تلك المنطقة، كباقي مناطق مواصي خان يونس والعديد من مناطق قطاع غزة في الشمال والوسط، بعدما دمرت منازلهم أو طردوا من مناطق سكنهم الواقعة حاليا خلف «الخط الأصفر».
ويقول الطفل عبد الرحمن، ذو الـ14 عاما، لـ»القدس العربي»: «بنعرف وصول شاحنة المياه للمكان من صوتها، وأوقات بنشوفها وإحنا أمام الخيام». وتابع: «كل الناس اللي في المكان بسرعة بحملوا الغالونات وبيجروا لحد ما يقفوا عند الشاحنة».
مضى هذا الطفل في الطابور ينتظر وصول دوره أكثر من 20 دقيقة، وقد كان من بين من قدموا في الأوائل، وترك غيره في الطابور الطويل يرقب الشاحنة، ويدعو ألا تنفد كمية المياه قبل أن يحصل على مبتغاه.
بصعوبة بالغة، حمل الطفل أحمد غالوني مياه سعة الواحد منهما 20 لترا، وترك آخر أصغر حجما برفقة شقيقه الأصغر ذي السبع سنوات، لحين إيصالها إلى خيمة أسرته التي تبعد نحو 400 متر، ثم العودة برفقة شقيقه والغالون الأخير. وتكرر هذا المشهد مع أطفال آخرين ورجال ونساء كبار في السن حملوا بصعوبة تلك الغالونات على اختلاف أحجامها، وساروا بها إلى خيام النزوح.
وغالبا يحصل سكان غزة على مياه الشرب التي تصلهم عبر شاحنات تحمل صهاريج كبيرة، إما من خلال متبرعين من الخارج، أو عن طريق جمعيات إغاثية توفر هذه المياه مجانا، فيما يحتاج السكان إلى جهد كبير لتوفير المياه المخصصة للاستخدامات المنزلية، التي تصل في أحسن الأحوال، وفقا للجدول الموضوع من قبل السلطات المحلية لتوزيع الكميات القليلة المتوفرة، مرة واحدة أسبوعيا لكل منطقة أو تجمع سكني، بما في ذلك مناطق النزوح القسري.
أرقام صادمة
ومنذ اليوم الأول لحرب الإبادة التي بدأتها إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، برزت مشكلة المياه في غزة، فلم تعد تتوفر بالشكل المطلوب مياه الشرب ولا المياه المخصصة للاستخدامات المنزلية، بعدما أوقفت إسرائيل إمدادات الوقود المخصص لتشغيل الآبار ومحطات التحلية، ثم بدأت بعملية التدمير الواسعة.
ووفقا للإحصائيات التي أوردها المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن الحرب خلقت أزمة مياه غير مسبوقة في غزة، حيث عانى أكثر من 90% من السكان من نقص المياه الآمنة، مع تدمير نحو 85% من مرافق المياه و75% من شبكات التوزيع، حوالي 400 ألف متر طولي، و700 بئر، بالإضافة إلى تدمير محطات تحلية رئيسية. واتهم إسرائيل باستخدام سلاح «التعطيش»، كما سلاح «التجويع»، لمعاقبة سكان غزة خلال حرب الإبادة.
وخلال عودته إلى خيمته بعد انتظار أطول في الطابور، قال إبراهيم أبو حسين، وهو نازح في تلك المنطقة وقد دمر منزله خلال الحرب كما حدث مع أغلب مناطق قطاع غزة: «ما عمري فكرت يحدث معنا هيك».
وأضاف، والعرق يتصبب من جسده بعد الانتظار تحت حرارة الشمس: «الميه طوابير والأكل طوابير والحمام طوابير». وتذكر هذا الرجل، وهو في منتصف الأربعينيات، فترة ما قبل الحرب، حين كان يحصل على المياه بشكل دائم بعد تخزينها في خزانات كبيرة أعلى المنزل كغيره من سكان غزة، وقال: «اليوم بنخزنها بكميات قليلة في غالونات وأواني الأكل».
ونبه هذا الرجل، خلال حديثه لـ»القدس العربي»، إلى مشكلة أكبر تتمثل في المياه المخصصة للاستخدام اليومي في الغسيل والتنظيف والاستحمام. وقال إنه يحصل عليها من منطقة أبعد، حيث تصل إلى تلك المنطقة إمدادات المياه مرة واحدة كل أسبوع، وإن ما لديه من أوان لا يكفي استخداماته طوال تلك الفترة، ما يجعله يقتصد كثيرا عند الاستخدام. وقال إنه رغم التعرق لن يستطيع هذا اليوم، بعد العودة لخيمة النزوح، أن يظفر بحمام يزيل ما عليه من تعب وعرق.
وفي غزة، وبسبب أزمة المياه الحادة التي خلقتها الحرب، بعد حجم التدمير الهائل الذي أصاب البنى التحتية والآبار ومحطات التحلية، بات نصيب الفرد يوميا ما بين 3 و15 لترا فقط، وهي نسبة ضئيلة مقارنة بالمعايير الدولية المطلوبة للبقاء على قيد الحياة والصحة العامة.
واستشهد مئات المواطنين خلال الحرب وهم يبحثون عن المياه، عندما قصفت الطائرات الإسرائيلية طوابير الانتظار أمام محطات المياه أو شاحنات التوزيع، كما قضى العشرات جوعا وعطشا. وكان آخر استهداف لمنتظري المياه ما حدث قبل أسبوعين في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، حين استُهدفت إحدى الشاحنات، ما أدى إلى استشهاد شقيقين يعملان في التوزيع بالتعاقد مع منظمة «اليونيسيف».
وتقول هند، المكنّاة بـ»أم مؤمن»، وهي سيدة في بداية الأربعينيات وتنزح مع أسرتها في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، إنها تحدد كمية قليلة من المياه لأطفالها عند الاستحمام، وإنها في أشد أوقات الصيف، تخصص لهم يوما فقط للاستحمام، بعد أن كان هذا الأمر يحدث يوميا قبل الحرب. ولفتت الانتباه، خلال حديثها لـ»القدس العربي»، إلى أن أزمة المياه انعكست على النظافة بشكل عام، سواء الاستحمام أو غسل الملابس أو تنظيف أواني الطهي والطعام، وقالت: «كمية المياه هي اللي بتحدد طبيعة النظافة».
وتقول إنها تضطر في بعض الأوقات، حين لا يوجد زوجها أو نجلها الكبير في المكان، إلى الاصطفاف في طابور الحصول على المياه المخصصة للشرب. وخلال حديثها، شككت هذه السيدة في أن تكون المياه التي توزع للشرب صالحة بالشكل الكافي للاستخدام، وأشارت إلى حالات كثيرة من الإعياء أصابتها وأسرتها، خاصة الأطفال، تمثلت في نزلات معوية وحالات إسهال شديد. كما تحدثت عن الأمراض الجلدية التي تصيب سكان غزة وتكثر في موسم الصيف، بسبب قلة النظافة التي تعود بالأساس إلى قلة الاستحمام.
وخلال حديثها، رفعت هذه السيدة قطعة من بقايا غطاء شتوي ممزق، استخدمتها كباب يستر خيمة نزوحها، لتكشف عن خزين المياه، وكان عبارة عن بعض الغالونات، بعضها فارغ، وقالت إن هذه الكمية يجب أن تكفي أسرة من خمسة أفراد لمدة أربعة أيام. وفي دلالة على ذلك، كانت الممثلة الجديدة لمنظمة الصحة العالمية في الأرض الفلسطينية المحتلة، الدكتورة رينهيلد فان دي ويردت، قالت إن هناك بلاغات عن إصابة أكثر من 17 ألف حالة مرتبطة بالقوارض أو بالطفيليات الخارجية بين النازحين في غزة، كما أبلغت أن أكثر من 80% من مواقع النزوح سجلت فيها إصابات جلدية، مثل الجرب، والقمل، وبق الفراش، مشيرة إلى أن هذا «نتيجة مؤسفة، عندما يعيش الناس في بيئة معيشية منهارة».
ولم يكن المشهد مغايرا لما تعيشه أسرة المواطن جمال صالح (55 عاما)، فرغم إقامته في منزل في مخيم النصيرات أصابه تدمير جزئي خلال الحرب، فإنه يقول إن معاناته مع المياه أكثر من سكان الخيام. فهذا الرجل تضطر أسرته إلى رفع غالونات المياه بعد ملئها إلى الطابق الرابع في البناية السكنية التي يقطنها، في مهمة شاقة للغاية، ما أصابه بأمراض في الظهر، تشتد بعد انقضاء فترة تعبئة المياه في اليوم المخصص لمنطقة سكنه، بعد أن يكون قد بذل وأولاده جهدا كبيرا للغاية.
ويقول هذا الرجل مستغربا: «معقول العالم مش قادر يحل أزمتنا، معقول تاركين غزة في الجوع والعطش». وتابع: «اليوم اللي ما بنموت فيه من الصواريخ الإسرائيلية، بنموت فيه قهرا ومرضا من تأثيرات الحرب».
سلاح المياه
في تقرير حمل عنوان «المياه كسلاح»، قالت منظمة «أطباء بلا حدود» إن إسرائيل تتقصّد حرمان أهالي قطاع غزة من الحصول على المياه اللازمة للحياة، حيث نددت المنظمة بما وصفته أنه حملة «عقاب جماعي». وأكدت أن التدمير الواسع الذي طال البنية التحتية المدنية للمياه في غزة، إلى جانب عرقلة الوصول إليها، يشكلان معا «جزءا لا يتجزأ من الإبادة التي تنفّذها إسرائيل».
وأكدت أن «الندرة المُهندَسة» للمياه تحدث بالتوازي مع «قتل المدنيين وتدمير المرافق الصحية وتدمير المنازل». ونقلت عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي تقريرا أكد أن إسرائيل دمّرت أو ألحقت أضرارا بنحو 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في غزة.
وأكدت أن ثلث طلباتها لإدخال إمدادات حيوية للمياه والصرف الصحي، بما في ذلك وحدات تحلية المياه والمضخات وخزانات المياه ومبيدات الحشرات والكلور ومواد كيميائية أخرى لمعالجة المياه، «قوبلت بالرفض أو أنها لم تلقَ أي رد».
وفي التقرير، قالت مديرة الطوارئ في المنظمة، كلير سان فيليبو، إن الحرمان من المياه، «بالاقتران مع أوضاع معيشية كارثية واكتظاظ شديد وانهيار النظام الصحي، يخلق بيئة مثالية لانتشار الأمراض».

تعليقات الزوار
لا تعليقات