أخبار عاجلة

اتصال أمريكي مع صدام حفتر يعيد الجدل حول الموازنة الموحدة ومناورات «فلينتلوك 26»

أعاد اتصال أجراه مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، مع نائب قائد «القيادة العامة» الفريق أول ركن صدام حفتر، فتح النقاش السياسي في ليبيا حول مسار الموازنة الموحدة والتحركات الدولية المرتبطة بإعادة ترتيب المشهد الاقتصادي والأمني في البلاد، بالتزامن مع الاستعداد لانطلاق مناورات «فلينتلوك 26» العسكرية في مدينة سرت خلال الشهر الجاري.
وكشف بولس أنه أجرى اتصالاً وصفه بالمثمر مع صدام حفتر ناقشا خلاله ما وصفه بالتقدم المستمر نحو توحيد الموازنة الوطنية، إضافة إلى استعداد ليبيا لاستضافة جزء من مناورات «فلينتلوك 26» التي تنظمها القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا «أفريكوم».
وأوضح بولس في تدوينة عبر منصة «إكس» أن النقاش تطرق أيضاً إلى فرص تعزيز التنسيق الأمني والتكامل الاقتصادي بين المؤسسات الليبية، معتبراً أن هذه الخطوات يمكن أن تسهم في دعم الوحدة الوطنية وتحسين فرص الاستقرار على المدى الطويل في ليبيا والمنطقة.
ويأتي هذا الاتصال في وقت تتزايد فيه التحركات الدولية المرتبطة بملف توحيد المؤسسات الاقتصادية والمالية في ليبيا، وهو الملف الذي يعد من أبرز القضايا المطروحة ضمن المسارات السياسية والاقتصادية التي تسعى أطراف دولية لدفعها بهدف تقليص الانقسام بين شرق البلاد وغربها.
وشهدت تونس خلال الأيام الماضية اجتماعات ضمت ممثلين عن عدد من المؤسسات الليبية من بينها مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وحكومة الوحدة الوطنية ومصرف ليبيا المركزي وديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية، لمناقشة تفاصيل مشروع الموازنة الموحدة برعاية مباشرة من وزارة الخزانة الأمريكية.
وتهدف هذه الاجتماعات إلى الوصول إلى صيغة مالية موحدة لعام 2026 تسمح بتنسيق الإنفاق العام وتخفيف حالة الانقسام المالي التي تعاني منها البلاد منذ سنوات، في ظل وجود حكومتين ومراكز قرار متعددة.
ويرى مراقبون أن الدفع نحو اعتماد موازنة موحدة يمثل أحد المفاتيح الأساسية لمعالجة الاختلالات الاقتصادية في ليبيا، خصوصاً ما يتعلق بإدارة الإيرادات النفطية والإنفاق العام، إضافة إلى تأثير ذلك على استقرار سعر صرف الدينار وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي السياق ذاته، كان بولس قد أجرى قبل أيام اتصالاً آخر مع مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بلقاسم حفتر، بحضور القائم بالأعمال في السفارة الأمريكية لدى ليبيا، جيريمي برنت، حيث جرى بحث ملف تنفيذ المشروعات التنموية في مختلف مناطق البلاد.
وأكد بولس خلال ذلك الاتصال أهمية تمكين برامج الإعمار والتنمية في ليبيا، مشيداً بجهود صندوق التنمية في تنفيذ المشروعات التي تستهدف إعادة تأهيل البنية التحتية ودعم الاستقرار الاقتصادي.
وجاء هذا التواصل في ظل توتر سياسي على خلفية موقف صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا الذي أعلن رفضه مخرجات المسار الاقتصادي المنبثق عن الحوار المهيكل، مؤكداً أن تلك المخرجات ليست ملزمة له وأنه مستمر في تنفيذ خططه التنموية وفق القوانين والتشريعات النافذة.
وأشار الصندوق إلى أن بعض المشاركين في المسار الاقتصادي لا يمثلون مناطق الشرق والجنوب في القضايا المتعلقة بالتنمية والميزانية العامة، معتبراً أن المخرجات التي قد تصدر عن تلك الاجتماعات لن تؤخذ بعين الاعتبار.
وفي موازاة الحراك الاقتصادي، تستعد مدينة سرت لاستضافة جزء من مناورات «فلينتلوك 26» العسكرية التي تنظمها القيادة الأمريكية في إفريقيا بمشاركة قوات العمليات الخاصة من عدد من الدول.
ومن المقرر أن تشارك في هذه المناورات قوات تابعة لـ»القيادة العامة» إلى جانب وحدات من وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتعزيز التعاون العسكري والتنسيق الأمني بين المؤسسات العسكرية الليبية.

ويعد تمرين «فلينتلوك» من أكبر التدريبات العسكرية متعددة الجنسيات في إفريقيا، حيث تنظمه القيادة الأمريكية في إفريقيا منذ عام 2005 بهدف تطوير قدرات القوات المشاركة في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود وتعزيز التعاون الأمني بين الدول المشاركة.
ومن المتوقع أن يشارك في نسخة هذا العام أكثر من ألف عنصر من قوات العمليات الخاصة في عدة دول إفريقية، على أن تشمل التدريبات مواقع مختلفة من بينها ليبيا وساحل العاج.
غير أن الحراك الأمريكي في ليبيا لا يقتصر على الجوانب الاقتصادية والعسكرية، إذ أثارت تسريبات حول مبادرة سياسية مرتبطة بواشنطن ردود فعل متباينة داخل الأوساط السياسية الليبية.
وتشير تلك التسريبات إلى وجود تصور أمريكي لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية في ليبيا عبر صيغة تجمع بين الإبقاء على رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في منصبه، وطرح اسم صدام حفتر ضمن مجلس رئاسي جديد، في إطار محاولة لتوحيد المؤسسات بين شرق البلاد وغربها.
وأثارت هذه الطروحات انتقادات من بعض الأطراف السياسية الليبية التي حذرت من أي ترتيبات سياسية خارج الأطر الدستورية والقانونية المعتمدة.
فقد أعلن المجلس الأعلى للدولة رفضه لأي تسوية سياسية أو اقتصادية تتم خارج إطار الاتفاق السياسي والإعلان الدستوري، مؤكداً أنه لن يعتد بأي تمثيل له في أي مفاوضات ما لم يكن بتفويض رسمي وصريح من المجلس.
كما حذر رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي من مخاطر ما وصفها بالوصاية الأجنبية على المسار السياسي في ليبيا، داعياً إلى الاحتكام إلى الانتخابات والقانون كمسار أساسي لبناء الدولة وإنهاء المرحلة الانتقالية.
وفي المقابل، يرى بعض الباحثين والمتابعين للشأن الليبي أن التحركات الأمريكية تعكس محاولة لإطلاق مسارات اقتصادية وأمنية متوازية بهدف تثبيت الاستقرار وتهيئة الظروف لمرحلة سياسية جديدة.
ويشير هؤلاء إلى أن الدفع نحو موازنة موحدة وتكثيف التعاون العسكري قد يمثل محاولة لتقليص الانقسام المؤسساتي، غير أن نجاح هذه المساعي يظل مرتبطاً بمدى قبول الأطراف الليبية بها وقدرتها على التوصل إلى توافقات داخلية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن ليبيا تقف مجدداً أمام مرحلة من الحراك السياسي والاقتصادي الذي يتداخل فيه الدور الدولي مع الحسابات الداخلية، فيما تبقى قضية توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات من أبرز التحديات التي تحدد مستقبل الاستقرار في البلاد.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات