دخلت التحضيرات الجارية للحوار السياسي في موريتانيا مرحلة تعثر قد تعصف به، بسبب خلاف حاد حول إدراج ملف الولايات الرئاسية في أجندة الحوار أو إبعادها منه.
ويواصل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني جهوده لإنقاذ المسار واحتواء الأزمة عبر سلسلة لقاءات مباشرة مع قادة المعارضة، حيث التقى بصورة مطولة بقطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية، في جلسة تناولت أبرز القضايا المطروحة على طاولة الحوار، حيث حاول تقديم رسائل تهدئة دون الذهاب إلى حسم نهائي للنقطة الأكثر إثارة للجدل.
ونقل ساسة التقوا الرئيس الغزواني أن خلاصة ما سمعوه منه بخصوص قضية ولاية هو قوله «لست معنيا بالولاية الثالثة، ولا أسعى من أجلها، ولم أطلب أن تدرج ضمن مواضيع الحوار؛ ولأنني لم أتدخل في تحديد مواضيع الحوار ولم أطلب إدراج المأمورية، لا ينبغي أن أتدخل الآن من أجل حذفها لأن ذلك يتناقض مع مبدأ الامتناع عن التأثير على الحوار».
وفيما يتعلق باولاية الثالثة، أكد بشكل صريح أنه لا يرغب فيها، ولم يطلب من أي جهة طرحها، لكنه في المقابل شدد على أنه لن يتدخل لفرض حذفها أو إدراجها ضمن أجندة الحوار.
ويجمع هذا الموقف بين الطمأنة وترك الباب مفتوحًا لنقاش نقطة المأموريات، وهو ما أثار تباينًا في قراءات الفاعلين السياسيين، إذ اعتبره البعض تأكيدًا على حياد رئاسي مطلوب، بينما رآه آخرون مساحة غموض قد تسمح بإعادة طرح ملف ظلّ محاطًا بما يشبه «التحصين الدستوري».
ودعا الغزواني الأطراف السياسية إلى التركيز على «القضايا ذات البعد الوطني»، محذرًا من الانشغال بالملفات ذات الطابع الشخصي.
وأوضح الرئيس الموريتاني أيضًا أن الحوار الذي دعا إليه منذ أكثر من عام، يقوم على مبدأ الشمول وعدم الإقصاء، سواء تعلق الأمر بالأطراف أو المواضيع، معتبرًا أن الهدف النهائي يجب أن يكون تعزيز الوحدة الوطنية وتقوية التجربة الديمقراطية.
غير أن هذا الطرح اصطدم بموقف حازم من المعارضة، التي أعلنت عبر مؤسسة المعارضة الديمقراطية أسفها لتعطل المسار، معتبرة أن إدراج مواضيع «خارج التوافقات السابقة» هو السبب المباشر للأزمة.
ورأت المؤسسة أن مجرد الاقتراب من نقاش المأموريات الرئاسية قد يهدد «المكاسب الديمقراطية القليلة» التي تحققت في بلد ضرب الرقم القياسي في كثرة الانقلابات والانقلابات المضادة.
وشارك في اللقاء مع الرئيس وفد معارض برئاسة حمادي سيدي المختار، وضم شخصيات بارزة من طيف المعارضة، من بينهم آمادو تيجان جوب، وعبد السلام ولد حرمه، وسودة وان، ما يعكس أهمية اللحظة السياسية وحجم الرهانات المرتبطة بإنجاح الحوار.
وفي خضم هذا الجدل، برزت قراءات تحليلية تحاول تفكيك خطاب الرئيس، من بينها ما كتبه الوزير السابق عبد القادر ولد محمد، الذي اعتبر أن تصريح الغزواني يندرج ضمن «ديالكتيك سياسي» يجمع بين تعهد شخصي بعدم الترشح لمأمورية ثالثة، وترك الملف مفتوحًا للنقاش داخل الحوار.
ويرى ولد محمد أن هذا الموقف يعكس مقاربة مزدوجة: طمأنة للرأي العام من جهة، والحفاظ على هامش المناورة السياسية من جهة أخرى، مشيرًا إلى أن إدراج الموضوع في الحوار لا يعني بالضرورة إمكانية تعديله، نظرًا للطبيعة «الآمرة» للمواد الدستورية المحصنة.
ويسلط هذا التحليل الضوء على واحدة من أعقد الإشكالات التي تواجه الحوار السياسي في موريتانيا: العلاقة بين النقاش السياسي والإطار الدستوري، خاصة في ظل ما يُعرف بـ «المواد الدستورية المحصنة»، التي يُنظر إليها كضمانة للتناوب السلمي على السلطة.
وبين تمسك المعارضة برفض فتح هذا الملف، وحرص السلطة على إبقاء جميع الخيارات مطروحة داخل الحوار، تبدو الأزمة الحالية أقرب إلى اختبار حقيقي لقدرة الطبقة السياسية الموريتانية على إدارة خلافاتها ضمن أطر توافقية.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر فقط بخلاف تقني حول جدول أعمال، بل بصراع أعمق حول قواعد اللعبة السياسية وحدودها؛ فإما أن ينجح الحوار في تجاوز هذه العقدة عبر صيغة توافقية تحفظ التوازن بين الشرعية الدستورية والانفتاح السياسي، أو يتحول إلى محطة جديدة في مسار تعثر الإصلاحات السياسية في البلاد.
ومع استمرار اللقاءات الرئاسية ومحاولات تقريب وجهات النظر، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح هذه الوساطة في إنقاذ الحوار، أم أن عقدة المأموريات ستظل حجر عثرة أمام أي توافق سياسي شامل؟
وفي موازاة الأزمة السياسية، تتقاطع هذه التطورات مع سياق اقتصادي واجتماعي ضاغط، حيث خصصت اللقاءات الرئاسية أيضًا لمناقشة الإجراءات الحكومية الأخيرة المرتبطة بأزمة الطاقة العالمية، الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط والتي ترفضها المعارضة بشدة.
وكانت الحكومة قد أعلنت عقب اجتماعها الأخير، زيادات في أسعار المحروقات تراوحت بين 10 و66%، إلى جانب رفع سعر قنينة الغاز، وإقرار حزمة إجراءات اجتماعية شملت دعم الأسر الأكثر هشاشة، ومساعدة صغار الموظفين، فضلًا عن إجراءات تنظيمية مثل حظر حركة السيارات ابتداءً من منتصف الليل.
غير أن هذه الإجراءات أثارت موجة استياء في الأوساط السياسية والشعبية، حيث ترى المعارضة أنها تزيد من الأعباء المعيشية في ظل ارتفاع تكاليف الحياة، فيما تؤكد الحكومة أنها ضرورية للحفاظ على التوازنات الاقتصادية في ظل تقلبات الأسواق العالمية.
وبين تعثر الحوار السياسي وتصاعد الضغوط الاجتماعية، تبدو السلطة أمام معادلة معقدة: احتواء الخلافات السياسية من جهة، وتخفيف الاحتقان الاقتصادي من جهة أخرى.
وفي ظل استمرار المشاورات الرئاسية، يبقى مستقبل الحوار معلقًا على قدرة الأطراف على تجاوز عقدة المأموريات، وإعادة بناء حد أدنى من الثقة يسمح بإطلاق مسار تشاوري قد يكون حاسمًا في رسم ملامح المرحلة السياسية المقبلة في بلد يسعى منذ عقود لإرساء نظام سياسي مستقر.
تعثر تحضيرات الحوار السياسي في موريتانيا بالتوازي مع أزمة الأسعار الملتهبة

تعليقات الزوار
لا تعليقات