تشهد أروقة مجلس النواب الليبي منذ أسابيع نقاشات متصاعدة حول مستقبل عمل المؤسسة التشريعية وإمكانية إعادة ترتيب هياكلها الداخلية في ظل حالة الجمود السياسي التي تطبع المشهد العام في البلاد. وفي هذا السياق، أكد عدد من أعضاء مجلس النواب تمسكهم بما وصفوه بخطة إصلاح المجلس، معتبرين أنها الإطار المرجعي الذي يمكن أن يعيد للمؤسسة التشريعية فاعليتها ويعالج الاختلالات المتراكمة في آليات عملها.
جاء ذلك خلال جلسة تشاورية عقدها عدد من النواب في مدينة بنغازي، حيث شدد المشاركون على ضرورة المضي في تنفيذ ما تضمنته خريطة الطريق الخاصة بإصلاح المجلس، مؤكدين أن هذه الخطة تمثل نقطة انطلاق حقيقية لإعادة تنظيم العمل البرلماني وتحسين أدائه في التعامل مع الملفات السياسية والتشريعية المطروحة على الساحة الليبية.
وبحسب مذكرة داخلية اطلع عليها عدد من النواب، فإن المجتمعين أكدوا أن خطة الإصلاح التي أُعلنت خلال جلسة عقدت في العشرين من شهر رمضان الماضي تمثل «الإطار الجامع والمرجعية الملزمة» لمعالجة أوجه القصور داخل المجلس واستعادة فاعلية المؤسسة التشريعية. وأوضحوا أن استمرار العمل وفق هذه الخطة من شأنه أن يعزز من قدرة المجلس على أداء دوره الرقابي والتشريعي في المرحلة المقبلة.
وأشار النواب المشاركون في الجلسة إلى أن تنفيذ بنود خطة الإصلاح يمثل خطوة أساسية نحو تطوير الأداء المؤسسي للمجلس، لافتين إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب اتخاذ إجراءات عملية تعيد الانضباط إلى آليات العمل البرلماني وتفتح المجال أمام إصلاحات أوسع داخل المؤسسة التشريعية. كما شددوا على ضرورة عدم الالتفاف على هذه الخطة أو تعطيل تنفيذها تحت أي مبرر، معتبرين أن ذلك قد يؤدي إلى استمرار حالة الجمود التي يعاني منها المجلس منذ فترة.
وتناول النقاش خلال الجلسة عدداً من القضايا المرتبطة بإصلاح البنية التنظيمية للمجلس، وفي مقدمتها ملف تعديل اللائحة الداخلية، الذي اعتبره المشاركون المدخل الأساسي لإعادة تنظيم العمل البرلماني. ويرى النواب أن تحديث اللائحة الداخلية من شأنه أن يسهم في ضبط إجراءات العمل داخل المجلس وتحديد آليات واضحة لإدارة الجلسات واتخاذ القرارات التشريعية.
كما دعا النواب بقية أعضاء المجلس الذين لم يتمكنوا من حضور الجلسة التشاورية إلى الالتحاق بالجلسات المقبلة والمشاركة في مناقشة جدول الأعمال المعلق، وعلى رأسه تعديل اللائحة الداخلية وإعادة ترتيب الهياكل التنظيمية للمجلس. وأكدوا أن المشاركة الواسعة في هذه النقاشات تمثل شرطاً أساسياً لإنجاح مسار الإصلاح داخل المؤسسة التشريعية.
وتأتي هذه الجلسة في ظل غياب هيئة رئاسة مجلس النواب، وهو الغياب الذي وصفه بعض النواب بأنه تكرر خلال الفترة الأخيرة. وأوضح عضو مجلس النواب عن مدينة بنغازي عصام الجهاني أن الجلسة التشاورية التي عقدت شهدت غياب رئاسة المجلس للمرة الثالثة خلال شهر واحد، في إشارة إلى رئيس المجلس ونائبيه.
وأشار الجهاني في تصريحات إعلامية إلى أن الجلسة كانت مخصصة لمناقشة الإصلاحات العامة داخل المجلس، بما في ذلك التعديلات المقترحة على اللائحة الداخلية، إضافة إلى ملف الدورة البرلمانية وآليات إعادة تنظيم العمل التشريعي. وأضاف أن هذه القضايا تمثل محور النقاش داخل المجلس في الوقت الراهن في ظل الدعوات المتزايدة لإصلاح المؤسسة التشريعية.
وكانت الجلسة قد عُقدت بناءً على موعد جرى تحديده في بيان صدر عقب جلسة تشاورية سابقة عقدها عدد من النواب في الحادي عشر من آذار/ مارس الجاري، حيث دعا البيان آنذاك إلى عقد جلسة مكتملة النصاب في الثلاثين من مارس للشروع في تنفيذ بنود خريطة الطريق الخاصة بإصلاح عمل المجلس.
وخلال تلك الجلسة السابقة صوّت عدد من أعضاء المجلس على ما سمي بخريطة طريق لإصلاح عمل المؤسسة التشريعية، تضمنت العمل الفوري على تعديل اللائحة الداخلية للمجلس وإعادة انتخاب هيئة الرئاسة واللجان الدائمة. كما نصت الخطة على وضع دورة برلمانية محددة بمواعيد زمنية واضحة لتنظيم عمل المجلس.
وبحسب البيان الصادر في ذلك الوقت، فإن خريطة الطريق تضمنت أيضاً إعادة تشكيل اللجان النوعية داخل المجلس، وهو ما اعتبره النواب خطوة ضرورية لتعزيز الحوكمة داخل المؤسسة التشريعية وتحسين مستوى الأداء في متابعة القضايا السياسية والتشريعية. كما نصت الخطة على اعتبار ما ورد فيها جدول أعمال رسمي للجلسة التي كان من المقرر عقدها لاحقاً.
وكانت تلك الجلسة جزءاً من سلسلة اجتماعات تشاورية عقدها عدد من النواب في مدينة بنغازي خلال الأسابيع الماضية، بهدف التوافق على مسار إصلاحي داخل المجلس. وقد أكدت بعض التصريحات الصادرة عقب تلك الاجتماعات أن الهدف منها يتمثل في التمهيد لمرحلة جديدة في سياسات وقرارات المؤسسة التشريعية.
ويأتي طرح هذه الإصلاحات في ظل حالة من الجدل داخل الأوساط السياسية الليبية حول أداء مجلس النواب ودوره في المرحلة الحالية، خاصة في ظل استمرار الانقسام المؤسسي والتعثر الذي يواجه عدداً من المسارات السياسية في البلاد. ويرى بعض المتابعين أن إعادة تنظيم العمل داخل المجلس قد تسهم في تعزيز قدرته على التعامل مع هذه التحديات.
ويشير مراقبون إلى أن النقاشات الدائرة داخل مجلس النواب تعكس إدراكاً متزايداً لدى بعض أعضائه بضرورة إصلاح الهياكل التنظيمية للمؤسسة التشريعية وتحديث قواعد عملها بما يتلاءم مع المرحلة السياسية الراهنة. ويضيف هؤلاء أن نجاح أي مسار إصلاحي داخل المجلس سيظل مرتبطاً بمدى التوافق بين أعضائه على آليات تنفيذ تلك الإصلاحات.
كما يرى مراقبون أن تعديل اللائحة الداخلية وإعادة انتخاب هيئة الرئاسة قد يشكلان نقطة تحول في طريقة إدارة المجلس، خاصة إذا جرى تنفيذ هذه الخطوات ضمن إطار زمني واضح يضمن انتظام العمل البرلماني. ويؤكد هؤلاء أن أي عملية إصلاح داخل المجلس تحتاج إلى دعم واسع من مختلف أعضائه حتى تتمكن من تحقيق أهدافها.
في المقابل، يشير متابعون إلى أن استمرار غياب رئاسة المجلس عن بعض الجلسات قد يعكس حجم التباينات داخل المؤسسة التشريعية حول طبيعة الإصلاحات المطروحة وآليات تنفيذها. ويرى هؤلاء أن تجاوز هذه الخلافات سيبقى عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل المسار الإصلاحي داخل مجلس النواب خلال الفترة المقبلة.
وتبقى مسألة إصلاح مجلس النواب جزءاً من النقاش الأوسع حول إعادة ترتيب المؤسسات السياسية في ليبيا، في ظل المساعي المتكررة لإعادة تنشيط العملية السياسية وإنهاء حالة الجمود التي تشهدها البلاد منذ سنوات. ويرى مراقبون أن أي خطوات إصلاحية داخل المؤسسة التشريعية قد تسهم في خلق ديناميكيات جديدة داخل المشهد السياسي الليبي خلال المرحلة المقبلة.
وشهد مجلس النواب الليبي خلال السنوات الماضية عدداً من الخلافات المتعلقة بآليات عمله وتنظيم جلساته، إضافة إلى جدل حول صلاحيات هيئة الرئاسة ودور اللجان الدائمة داخل المجلس. كما برزت في أكثر من مناسبة دعوات من بعض النواب لإجراء إصلاحات هيكلية داخل المؤسسة التشريعية بهدف تعزيز الشفافية والانضباط المؤسسي. ويأتي طرح خريطة الطريق الأخيرة في سياق هذه الدعوات المتكررة لإعادة تنظيم عمل المجلس وتفعيل دوره في الحياة السياسية الليبية.
خلال جلسة تشاورية في بنغازي نواب يؤكدون التمسك بخطة إصلاح مجلس النواب

تعليقات الزوار
لا تعليقات