مع أن تحضيرات الحوار السياسي المرتقب في موريتانيا قد قطعت أشواطا كبيرة وعلى الرغم من تمكن النظام من جر غالبية أطياف المعارضة إلى طاولة الحوار، فقد شهدت أولى جلسة جامعة لممثلي الأطراف السياسية المختلفة هزة كبيرة أمس بعد أن حاول ممثلو الموالاة إدراج مراجعة المواد الدستورية المحصنة المتعلقة بتحديد المأموريات الرئاسية، وهو ما قابلته المعارضة بالرفض التام بعد أن كانت قد حذرت منه مرات عدة.
وفجرت مسألة إدراج مراجعة المواد الدستورية المحصّنة في أجندة الحوار خلافا شديدا بين ممثلي أطياف العملية السياسية، كاد يهدد مسار الحوار برمّته ويعيد الأمور إلى الصفر.
وقابلت مؤسسة المعارضة الديمقراطية والائتلافات السياسية المعارضة إدراج مراجعة المواد المحصّنة في الدستور ضمن القضايا المطروحة للنقاش، برفض شديد، وتحول الخلاف إلى نقطة توتر رئيسية داخل القاعة، واحتدم النقاش وجرى تبادل ساخن للمواقف الحادة، الأمر الذي جعل منسق الحوار يبادر إلى رفع الجلسة، ويحيل النقاش إلى مشاورات خارجية بين الأطراف السياسية، في محاولة لاحتواء الأزمة وتقريب وجهات النظر قبل استئناف الاجتماعات.
ومعلوم أن هذا الاجتماع الأول بعد المشاورات التحضيرية، يكتسي أهمية خاصة، لانعقاده بعد تسلم منسق الحوار لردود الأحزاب السياسية على وثيقته المرجعية التي تضمنت مخطط الحوار وأهدافه ومحاوره الكبرى.
وكان من المفترض أن يمهد الاجتماع الجامع لانطلاقة توافقية للحوار، لكن إثارة الأغلبية الرئاسية التي تضم تيارا قويا يسعى لتمكين الرئيس الغزواني من مأمورية ثالثة، قد خلطت الأوراق.
وظلت قوى المعارضة حتى المعتدل منها، تنادي بأن إدراج المواد المحصّنة في الدستور، خاصة تلك المتعلقة بتحديد عدد ومدد المأموريات الرئاسية، «خطً أحمر» لا يمكن تجاوزه، معتبرة أن فتح هذا الملف يهدد نظام التناوب السلمي على السلطة الذي هو أحد أهم مكاسب النظام الديمقراطي في موريتانيا.
وفي هذا السياق، ذهب نواب معارضون إلى أبعد من ذلك، حيث دعوا إلى تجميد المشاركة في الحوار السياسي، محذرين من أن إدراج هذا البند قد يشكل مدخلًا لتعديل قواعد اللعبة السياسية بشكل أحادي.
واعتبر النواب يحيى اللود، وسيدي مولود، ومحمد بوي، في بيان مشترك، أن أي نقاش حول المأموريات في الظرف الحالي يمثل «محذورًا أساسيًا»، داعين إلى تعليق المشاركة إلى حين صدور موقف رسمي واضح من السلطة التنفيذية يستبعد هذا الموضوع.
كما حمّل البيان أحزاب الأغلبية والحكومة مسؤولية أي تداعيات محتملة على الاستقرار السياسي، داعيًا «القوى الحية» في المجتمع إلى اليقظة دفاعًا عن المكتسبات الديمقراطية.
ويعكس هذا الموقف المتعلق بقضية المأموريات حالة من انعدام الثقة المتجذرة بين صفي الموالاة والعارضة، حيث تخشى المعارضة من توظيف الحوار كغطاء سياسي لإحداث تعديلات دستورية تمس التوازنات القائمة، في حين ترى الأغلبية أن الحوار يجب أن يكون مفتوحًا لبحث جميع القضايا دون استثناء، مع ترك إقرار أو رفض هذه النقطة أو تلك لآلية الإشراف على الحوار.
وقد وجد رافضو الحوار في الهزة التي حدثت أمس دليلا يؤيد رفضهم للجلوس على طاولة التشاور مع أغلبية الرئيس ولد الشيخ الغزواني، فاستغلوا الفضاء العام، حيث عبّر النائب المعارض محمد بوي الشيخ محمد فاضل عن تشككه في جدوى الحوار، متسائلًا عن أهداف الأغلبية من التحاور مع المعارضة حول قضايا تمتلك الأغلبية نفسها، أصلًا، الأدوات الدستورية لتمريرها داخل البرلمان دون حوار.
واعتبر النائب أن ما يجري قد يكون محاولة «لقتل الوقت» وإشغال المعارضة عن دورها الاحتجاجي المرتبط بالأوضاع الاجتماعية، أو تمهيدًا لفتح ملف المأموريات بطريقة غير مباشرة، محذرًا من أن أي مخرجات تمس هذا الملف أو تؤدي إلى تفكيك المعارضة قد تمثل «فخًا قاتلًا» للمسار السياسي.
ويبرز هذا الطرح حالة التشكك والارتياب داخل بعض أوساط المعارضة، التي ترى أن ميزان القوى المختل لصالح الأغلبية يجعل من الحوار أداة قد تُستخدم لإضفاء شرعية على خيارات سياسية معدّة سلفًا.
بالتوازي مع هذا الجدل، قدمت مؤسسة المعارضة الديمقراطية جملة من المقترحات التنظيمية، من بينها إنشاء هيئة لمتابعة تنفيذ مخرجات الحوار، ضمن تصور لحكومة وحدة وطنية، تتولى الإشراف على تطبيق التوصيات، بالتنسيق مع هيئة مستقلة تضم ممثلين عن مختلف الأطراف.
كما شددت مؤسسة المعارضة على ضرورة إرساء آليات واضحة لمتابعة الحوار منذ انطلاقته، بما يضمن عدم تحول مخرجاته إلى توصيات ميتة غير ملزمة، وهي تجربة سبق لموريتانيا أن مرت بها في حوارات سابقة.
وكشفت مقترحات مؤسسة المعارضة عن فجوة أخرى تتعلق بتحديد أولويات الحوار، حيث انتقدت المعارضة عدم إدراج قضايا تعتبرها جوهرية في أجندة الحوار، بينها الاعتراف الرسمي باللغات الوطنية إصلاح قطاعي الأمن والدفاع، وتقييد من لم يسجل من السكان في النظام البيومتري.
تغييب المرأة احتجاج آخر
ولم تتوقف الاحتجاجات عند المسائل المذكورة، بل أطلت السنية بنت سيدي هيبه سفيرة موريتانيا المعينة في ساحل العاج على المشهد، لتحتج على غياب التمثيل النسائي في لوائح المشاركين في الحوار، واصفة هذا التغييب بـ»الخلل الكبير» الذي يتعين تداركه قبل فوات الأوان.
وأكدت السفيرة أن نجاح أي حوار وطني يقتضي إشراك مختلف مكونات المجتمع، وفي مقدمتها النساء.
حوار ومفترق طرق
والواقع أن هذه التجاذبات تضع كلها الحوار السياسي المرتقب أمام امتحان صعب، فإما المضي قدمًا في مسار توافقي يركز على الأمور المجمع عليها، أو الانزلاق نحو صراعات سياسية تعيد البلد لنقطة البداية.
لكن مستقبل الحوار سيتحدد بمدى قدرة الأطراف المشاركة على البحث عن أرضية مشتركة وعلى تقديم تنازلات متبادلة، وهو أمر لا تخفى صعوبته بالنظر لإصرار الأغلبية على توسيع أجندة النقاش لتشمل التمديد للرئيس، ولتمسك المعارضة بخطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، تتصدرها مراجعة المواد المحصنة للتناوب على الرئاسة.
وفي انتظار استئناف الجلسات، يبقى السؤال الأبرز: هل سيتمكن منسق الحوار من إعادة جمع الأطراف المختلفة حول طاولة التشاور من جديد؟
والجواب هو أنه سيتمكن من ذلك معتمدا، من ناحية، على ثقة الرئيس الغزواني ومستغلا من ناحية أخرى، حرص المعارضة على تنظيم تحاور وطني يمكن من حل معضلات متراكمة منذ عقود، ترى المعارضة أنها تهدد استقرار البلاد.

تعليقات الزوار
لا تعليقات