تشهد ليبيا في الأيام الأخيرة تراكبًا لافتًا بين تطورات سياسية وأمنية وحقوقية تعكس حالة من الهشاشة المستمرة في بنية الدولة، حيث تزامن الجدل حول الوضع الصحي لقيادات بارزة مع تصاعد الانتقادات الدولية لملف حقوق الإنسان، إلى جانب تحذيرات من تداعيات الانقسام الداخلي على قدرة البلاد في مواجهة التحولات الإقليمية، ما يعيد طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الاستقرار السياسي ومآلات المرحلة المقبلة في ظل غياب توافق وطني واضح.
في هذا السياق، أثار تقرير لصحيفة «لوموند» الفرنسية موجة من التساؤلات بشأن الحالة الصحية لكل من رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة وقائد القوات في شرق البلاد خليفة حفتر، بعد غيابهما اللافت عن احتفالات عيد الفطر، وهو ما اعتُبر مؤشرًا على تطورات غير معلنة في مراكز القرار، خاصة مع تصاعد التكهنات حول قدرتهما على الاستمرار في أداء مهامهما خلال المرحلة القادمة.
وسلط التقرير الضوء على أجواء العيد في ليبيا، حيث احتشد آلاف المصلين في ساحة الشهداء بالعاصمة طرابلس، في مشهد يعكس حضورًا شعبيًا واسعًا، مقابل غياب الدبيبة عن المناسبة رغم حضوره السابق في فعاليات مماثلة، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات حول حالته الصحية، لا سيما بعد إعلانه في وقت سابق خضوعه لفحوصات طبية خارج البلاد، مع حديث عن فترة نقاهة قد تمتد لأسابيع.
وفي شرق البلاد، تكرر المشهد ذاته في مدينة بنغازي، حيث امتلأت ساحة الكيش بالمصلين في صلاة العيد، وسط غياب حفتر عن الحضور، ما زاد من حدة الجدل حول وضعه الصحي، خاصة في ظل تداول معلومات غير مؤكدة على منصات التواصل الاجتماعي، وتباين التغطيات الإعلامية التي تناولت الغياب من زوايا مختلفة.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن هذا الغياب المتزامن أعاد طرح ملف الخلافة السياسية والعسكرية، حيث برزت أسماء داخل المعسكر الشرقي، في مقدمتها صدام حفتر، الذي جرى تعيينه نائبًا للقائد العام في أغسطس 2025، إلى جانب احتمالات تنافس داخل الدائرة ذاتها، ما يعكس مؤشرات على إعادة ترتيب محتملة داخل هياكل القيادة شرق البلاد، في وقت لا تزال فيه مراكز النفوذ في الغرب تعاني من توترات أمنية متكررة.
وفي موازاة ذلك، تصاعدت الانتقادات الدولية لواقع الحريات وحقوق الإنسان في ليبيا، حيث طالبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالإفراج الفوري عن الناشط السياسي المهدي عبدالعاطي، معتبرة أن احتجازه في مصراتة يمثل انتهاكًا واضحًا للقوانين المحلية والالتزامات الدولية، مؤكدة أن مثل هذه الحالات ليست فردية بل تعكس نمطًا متكررًا داخل الأجهزة الأمنية.
ودعت البعثة إلى ضرورة تعزيز الحيز المدني وضمان حرية التعبير، مشددة على أهمية تمكين المواطنين من المشاركة في النقاشات العامة دون خوف، كما طالبت بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وإنهاء ممارسات الاحتجاز التعسفي التي باتت تمثل إحدى أبرز التحديات أمام بناء دولة القانون.
وفي الاتجاه ذاته، أعربت اللجنة الدولية للحقوقيين عن قلقها من استمرار الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز، مشيرة إلى وجود إخفاقات واضحة في حماية النساء والمهاجرين، إضافة إلى استمرار غياب تشريعات رادعة للعنف الأسري، وهو ما يعكس فجوة قانونية تؤثر على منظومة العدالة وحقوق الإنسان في البلاد. كما انتقدت اللجنة استمرار العمل بنصوص قانونية تمييزية، إلى جانب رفض بعض التوصيات المتعلقة بحماية المهاجرين وإنهاء الاحتجاز التعسفي، داعية إلى ضرورة إصلاح الإطار التشريعي والتعاون مع الهيئات الدولية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية، لضمان تحقيق العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب.
على الصعيد السياسي، حذّر مراقبون من أن استمرار الانقسام المؤسسي يضعف قدرة ليبيا على التعامل مع التداعيات الاقتصادية والسياسية للتوترات الإقليمية، خاصة في ظل تصاعد المواجهات في المنطقة، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الليبي وأسواق الطاقة.
وأشاروا إلى أن ليبيا تمتلك فرصًا للاستفادة من موقعها الاستراتيجي كمصدر للطاقة، غير أن هذه الفرص تظل مرهونة بقدرة الدولة على توحيد مؤسساتها، ووضع سياسات واضحة تعزز الاستقرار الداخلي وتحد من التدخلات الخارجية، التي ما تزال تلعب دورًا في تعميق الانقسام.
وفي سياق متصل، سلط تحقيق أميركي الضوء على ما وصفه بسوء إدارة داخل المؤسسة الليبية للاستثمار، كاشفًا عن إشكاليات تتعلق بإدارة الأصول في عدة دول، وخسائر مالية نتيجة ضعف الحوكمة والشفافية، إلى جانب استمرار تجميد جزء كبير من الأصول، وهو ما يحرم الاقتصاد الليبي من الاستفادة الكاملة من موارده الخارجية.
ووفق التحقيق، فإن هذه الاختلالات تعكس مشاكل هيكلية في إدارة الاستثمارات السيادية، وسط غياب إصلاحات حقيقية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول كفاءة إدارة الموارد العامة في ظل الانقسام السياسي، ويزيد من الضغوط الاقتصادية على الدولة.
في المجمل، تكشف هذه التطورات المتزامنة عن مشهد ليبي معقد تتداخل فيه الأزمات السياسية مع التحديات الحقوقية والاقتصادية، حيث تتراجع مؤشرات الاستقرار لصالح حالة من الضبابية، في وقت تبدو فيه الحاجة ملحة إلى توافق وطني شامل يعيد ترتيب الأولويات ويضع أسسًا واضحة لمرحلة انتقالية مستقرة، تضمن وحدة المؤسسات وتعزز ثقة المواطنين في مستقبل الدولة.
غياب الدبيبة وحفتر عن احتفالات عيد الفطر يثير تساؤلات صحية

تعليقات الزوار
لا تعليقات