أثار التحذير الذي أصدرته السفارة الأمريكية في نواكشوط بشأن تهديدات أمنية محتملة تستهدف مقرها ورعاياها، تساؤلات واسعة بين الساسة والمدونين والمراقبين في موريتانيا، خصوصاً أنه يأتي في سياق محلي يتسم بدرجة عالية من الاستقرار، مقارنة بمحيط إقليمي مضطرب.
وتحدث بيان السفارة عن «مؤشرات على خطر متصاعد لهجمات محتملة» دون تحديد طبيعة التهديد أو مصدره، ما فتح الباب أمام قراءات متعددة تتراوح بين التفسير المحلي والإقليمي والدولي.
فخلال أكثر من عقد، ظلت نواكشوط خارج نطاق العمليات الإرهابية بفضل مقاربة أمنية شاملة، وهو ما يجعل التحذير يبدو غير منسجم، ظاهرياً، مع المعطيات الميدانية.
ضعف الترجيح
ويقود التحليل إلى استبعاد نسبي لفرضيتين رئيسيتين، أولاهما الارتباط بالتوترات الدولية بين الولايات المتحدة وإيران، لغياب أي امتداد تنظيمي أو مذهبي لطهران داخل المجتمع الموريتاني، والأخرى وجود تهديد داخل موريتانيا مصدره الجماعات المسلحة في الساحل، مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين/ وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، نظراً لتمركز أنشطتها في مالي والنيجر وبوركينافاسو، وابتعادها عن الساحة الموريتانية منذ سنوات.
في ظل غياب مؤشرات ميدانية، يبرز تفسير أكثر واقعية، يتمثل في أن التحذير قد يكون مبنياً على معلومات استخباراتية أولية أو غير مكتملة حصلت عليها الأجهزة الأمريكية، ضمن منظومة الرصد العالمية التي تعتمدها الولايات المتحدة لحماية بعثاتها، أو مؤسساً على معطيات أمنية شاركتها السلطات الموريتانية مع الطرف الأمريكي في إطار التعاون الثنائي، كإجراء احترازي يندرج ضمن تبادل المعلومات الاستباقية.
ويرى عدد من المراقبين أن التحذير الأمني الصادر عن السفارة الأمريكية في نواكشوط قد لا يكون مجرد إجراء احترازي روتيني، بل يستند إلى قراءة تحليلية لسياق داخلي اتسم خلال الفترة الأخيرة بتصاعد الاحتجاجات الشعبية، خاصة تلك التي قادها شباب محسوبون على التيار الإسلامي أمام مقر السفارة، والتي اتسمت بنبرة غاضبة ومواقف معلنة مؤيدة لإيران ومعارضة للسياسات الأمريكية والإسرائيلية.
ويشير هذا التقدير إلى أن الجهات الأمنية قد تكون تفاعلت مع مؤشرات ميدانية تعكس قابلية هذه الاحتجاجات للتحول إلى أشكال احتجاج أكثر حدة أو اتساعًا، في ظل بيئة إقليمية متوترة وتنامي الخطاب التعبوي المرتبط بالقضايا الدولية.
وعليه، يمكن فهم هذا التحذير في إطار استباقي يزاوج بين المعطيات الأمنية المباشرة وقراءة المزاج العام واتجاهات التعبئة، أكثر من كونه إنذارًا مبنيًا على تهديد محدد وملموس في اللحظة الراهنة.
لكن التقديرات التحليلية كلها لم تتضمن ما يشفي الغليل لكونها مبنية على افتراضات مرتبطة بتطورات إقليمية، دون وجود تهديد محدد أو وشيك داخل موريتانيا.
تحذير غير واضح الدوافع
ومن بين من اهتم بالتحذير الأمني الأمريكي المثير، الإعلامي الموريتاني البارز محمد محمود أبو المعالي المختص في قضايا الساحل والجماعات المسلحة، الذي علق عليه مؤكداً «أن التحذير الذي أصدرته السفارة الأمريكية في نواكشوط بشأن احتمال وقوع هجمات «إرهابية» يظل غير واضح الدوافع، ولا يستند إلى معطيات ميدانية دقيقة تعكس وجود تهديد فعلي داخل موريتانيا. وأوضح ولد أبو المعالي، في تدوينة تحليلية، أن البيان الأمريكي لم يحدد مصدر التهديد أو طبيعته، ما يجعل قراءته مفتوحة على عدة احتمالات، أبرزها ارتباطه بتداعيات التوترات الدولية أو بنشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل.
واستبعد الإعلامي أن يكون للتحذير صلة بالحرب المرتبطة بإيران، مشيراً إلى غياب أي امتداد مذهبي أو سياسي لطهران في موريتانيا، وعدم وجود بيئة محلية يمكن أن تنخرط في أعمال عدائية ضد المصالح الأمريكية.
كما قلل الخبير من فرضية وقوف الجماعات المسلحة وراء التهديد، مبرزاً أن هذه التنظيمات أوقفت نشاطها داخل الأراضي الموريتانية منذ عام 2011، وأن تحركاتها الحالية تتركز في مناطق بعيدة، خاصة في مالي ومنطقة الحدود الثلاثية.
وأكد ولد أبو المعالي أن مختلف المؤشرات الأمنية والعسكرية والسياسية في البلاد لا توحي بوجود مستجد يستدعي هذا النوع من التحذيرات، مشدداً على أن موريتانيا ما تزال تعيش حالة من الاستقرار والهدوء مقارنة بمحيطها الإقليمي.
هذا ومعروف أن هذا النمط من التحذيرات يدخل ضمن تقاليد الدبلوماسية الأمنية، حيث تميل بعض السفارات إلى إصدار تنبيهات استباقية بناءً على مؤشرات ضعيفة أو عامة، تفادياً لأي مفاجآت.
ورغم جدية التحذير في صيغته، فإن المعطيات الأمنية في موريتانيا لا تشير إلى تغير نوعي في مستوى التهديد، ما يعزز فرضية أن الأمر يتعلق برفع درجة الحذر أكثر من كونه استجابة لخطر فعلي قائم.
ويبقى التحذير الأمريكي، في ظل غياب تفاصيله، أقرب إلى إجراء احترازي مبني على تقديرات أو معلومات غير مكتملة، منه إلى انعكاس مباشر لواقع أمني متدهور.
وفي المقابل، يبقى على موريتانيا أن تحافظ على موقعها كواحة استقرار نسبي في منطقة الساحل، مع ضرورة اليقظة المستمرة في بيئة إقليمية مفتوحة على كل الاحتمالات.

تعليقات الزوار
لا تعليقات