عاد التوتر ليخيّم على العلاقات بين موريتانيا ومالي، بعد فترة من الهدوء النسبي، إثر حادثة مقتل وحرق جثث شابين موريتانيين في منطقة حدودية، في واقعة أثارت موجة غضب داخلي ومطالب سياسية متصاعدة بفتح تحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين.
وبينما لم تصدر السلطات في نواكشوط حتى الآن موقفاً رسمياً مفصلاً بشأن الحادثة، أعلنت الحكومة المالية فتح تحقيق في مقتل مواطنين موريتانيين قرب الحدود المشتركة، مؤكدة عزمها الوصول إلى الجناة وتقديمهم للعدالة. وجاء هذا الإعلان عقب اتصال هاتفي جمع الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني ونظيره المالي الانتقالي عاصمي غويتا.
ونفى بيان صادر عن باماكو وجود أي أدلة تشير إلى تورط الجيش المالي في الحادثة، مشدداً على التزامه بحقوق الإنسان وتعاطيه «المهني» مع التحديات الأمنية، خصوصاً في سياق مواجهة الجماعات المسلحة. كما أعلنت السلطات المالية نيتها إرسال وفد رفيع إلى نواكشوط لبحث سبل تعزيز التنسيق الحدودي وتأمين المدنيين والممتلكات، في وقت أشارت فيه إلى ما وصفته بدعم موريتانيا للشعب المالي في مواجهة «عقوبات غير قانونية».
قتل وحرق الجثث
في المقابل، قدّمت عائلة الضحايا رواية مغايرة، حيث اتهمت أسرة «أهل ببكر» في بلدية بغداد بولاية الحوض الغربي عناصر من الجيش المالي بقتل اثنين من أبنائها رمياً بالرصاص قبل إحراق جثمانيهما.
وأفاد أحد أقارب الضحايا، الشيخ لحبيب، أن الشابين كانا يرعيان مواشيهما في منطقة «اصنيب انكان» التي تبعد نحو 50 كيلومتراً داخل الأراضي المالية، حين تم توقيفهما من طرف عناصر مسلحة، قبل العثور عليهما لاحقاً قتيلين.
ووفق رواية الأسرة، أُصيب أحد الضحيتين برصاصة في الرأس، فيما تلقى الآخر رصاصاً في الظهر، قبل أن يتم إحراق جثمانيهما، في حين لم يتم التعرف بعد على هوية جثة ثالثة عُثر عليها في الموقع ذاته.
وأشار المتحدث إلى أن دفن الجثامين تأجل بطلب من السلطات المالية إلى حين استكمال المعاينات الرسمية.
وأثارت الحادثة تفاعلاً سياسياً لافتاً داخل موريتانيا، حيث نقلت وسائل إعلام تصريحات لنواب وبرلمانيين حمّلوا الجيش المالي مسؤولية ما جرى، فيما عبّرت قوى سياسية عن قلقها من تكرار مثل هذه الحوادث في المناطق الحدودية الهشة.
وأكدت «جبهة المواطنة والعدالة» المنضوية في صف الموالاة «أن أمن المواطنين يجب أن يظل أولوية قصوى، داعية إلى تحقيق عاجل يكشف ملابسات الحادثة، وتعزيز الإجراءات الأمنية لحماية السكان في المناطق الحدودية. كما شددت على أهمية إدارة العلاقات مع دول الجوار، وعلى رأسها مالي، «بمسؤولية وحذر» بما يراعي مصالح المواطنين وسلامتهم.
من جهته، أدان حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل» ما وصفه بـ «الجريمة البشعة»، معزياً أسر الضحايا، ومطالباً السلطات الموريتانية بتحمل مسؤولياتها كاملة في كشف الحقيقة ومحاسبة المتورطين، واتخاذ إجراءات حازمة تحول دون تكرار مثل هذه الحوادث.
وتأتي هذه التطورات في سياق أمني معقد تعيشه المناطق الحدودية بين البلدين، حيث تتداخل تحديات الإرهاب وعمليات التهريب والتنقل غير المنظم، ما يجعل المدنيين، خصوصاً الرعاة والمنقبين، عرضة لمخاطر متزايدة في ظل هشاشة الرقابة وصعوبة ضبط الحدود الممتدة.
وفي تطور لافت يُعد تتويجًا لمسار احتواء أزمة حادة بين نواكشوط وباماكو، تراجع الجيش المالي عمليًا عن اتهامه لموريتانيا باحتجاز جنديين ماليين داخل مخيم للاجئين على أراضيها، مكتفيًا بصيغة وُصفت بـ «الغامضة»، تضمنها بيان جديد لم يرد فيه ذكر اسم موريتانيا، وأكد فقط عكس البيان المثير الذي سبقه، أن الجنديين «فرا من مخيم للاجئين دون تحديد موقعه، قبل أن يعودا إلى أرض الوطن».
وبُث البيان، الصادر عن هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة المالية، عبر التلفزيون الرسمي ضمن برنامج «الدفاع المواطناتي»، حيث حافظ على بعض تفاصيل الرواية السابقة، لكنه أسقط الإشارة المباشرة إلى موريتانيا، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها تراجع غير معلن تحت ضغط المعطيات التي قدمتها نواكشوط.
وأضاف الجيش المالي أن فرار الجنديين تم «بفضل العمليات التي نفذتها القوات المسلحة المالية على طول الشريط الحدودي في غابة واغادو»، بعدما كان قد تحدث في بيانه الأول عن عمليات على طول الشريط الحدودي «بين مالي وموريتانيا وفي غابة واغادو».
وأوضح البيان أن الجنديين، اللذين عرض التلفزيون الرسمي صورة ثابتة لهما، «اختطفا في 9 أكتوبر 2025 على نهر النيجر أثناء وجودهما في إجازة»، وهو معطى يتقاطع جزئياً مع ما توصلت إليه التحقيقات الموريتانية، مع اختلاف جوهري في مكان الاحتجاز وظروف الإفراج.
من الاتهام إلى التفنيد الاستخباراتي
وكانت هذه الأزمة قد اندلعت إثر بيان شديد اللهجة صادر عن الجيش المالي اتهم فيه الجيش المالي موريتانيا بشكل غير مباشر بالسماح لجماعات مسلحة باستخدام أراضيها، بل واحتجاز جنديين ماليين داخل مخيم موريتاني خاص باللاجئين.
وقد عكس اختيار حكومة مالي للمؤسسة العسكرية لإصدار البيان، بدل وزارة الخارجية، منذ الوهلة الأولى، الطابع الأمني والسياسي الحساس للقضية.
وردت نواكشوط بسرعة عبر بيان رسمي لوزارة الخارجية، صدر فجر الإثنين، عبّرت فيه عن رفضها «القاطع» لهذه الاتهامات، مؤكدة أنها «لا تستند إلى أي أساس من الصحة وتنطوي على إساءة بالغة».
لكن الرد الموريتاني لم يتوقف عند المستوى السياسي، إذ باشرت الأجهزة الأمنية الموريتانية تحقيقات ميدانية دقيقة، خلصت إلى أن الجنديين اختُطفا بالفعل من طرف جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، غير أن احتجازهما تم داخل الأراضي المالية، في غابة «واغادو» على بعد ثلاثين كيلومتراً من الحدود الموريتانية المالية، وليس داخل موريتانيا كما زُعم، كما نفت التحقيقات رواية «الهروب»، مؤكدة أن الإفراج عنهما تم مقابل فدية دفعتها عائلتاهما، مع تحديد تفاصيل العملية بدقة.
وقدمت نواكشوط هذه المعطيات في تقرير استخباراتي مفصل إلى باماكو، ما وضع السلطات المالية أمام رواية موثقة يصعب الطعن فيها، ومهّد عملياً للتراجع الذي ظهر في البيان العسكري المالي الأخير.
تحرك دبلوماسي متزامن
بالتوازي مع المسار الأمني، نشطت القنوات الدبلوماسية بين البلدين، حيث استقبل وزير الخارجية الموريتاني محمد ولد سالم ولد مرزوك السفير المالي في نواكشوط باكاري دومبيا، مؤكداً أن اللقاء شكّل فرصة لاستعراض علاقات الأخوة بين البلدين.
وفي اليوم الموالي، استقبل وزير الخارجية المالي عبد الله ديوب القائم بالأعمال في السفارة الموريتانية بباماكو الشيخان حبيب الرحمن، حيث تركزت المباحثات على «قضايا ثنائية ذات اهتمام مشترك، بما في ذلك المسائل الأمنية الراهنة»، وفق ما أعلنه ديوب.
وأعلنت موريتانيا استعدادها لاستقبال لجنة تحقيق ميدانية، مقترحة إشراك أطراف إقليمية أو دولية، بينها تحالف دول الساحل الذي يجمع مالي مع النيجر وبوركينافاسو، في خطوة استهدفت نزع الطابع الثنائي عن الأزمة وتعزيز الشفافية.
قراءات في خلفيات التصعيد
في هذا السياق، قال الإعلامي البارز حسن لبات في تعليق له على الأزمة: «بعد أن بدا واضحا أن الجنرال عاصيمي غويتا يسير في اتجاه خلق أزمة دبلوماسية مع موريتانيا قد تنتهي بسحب السفير وقطع العلاقات، نجح الرئيس الموريتاني في نزع فتيل التوتر وإجبار باماكو على التراجع وإعادة ترتيب أوراقها».
وتعزز هذا التقييم مع ما نقل عن مصدر دبلوماسي موريتاني لإذاعة فرنسا الدولية، من أن المجلس العسكري في مالي يسعى إلى خلق صراع مفتوح مع موريتانيا بهدف تعبئة الرأي العام الداخلي وصرف الانتباه عن إخفاقاته في مواجهة الجماعات المسلحة.
نواكشوط… تهدئة محسوبة
في المقابل، اختارت موريتانيا عدم التصعيد، فلم تطالب باعتذار علني أو بسحب رسمي للاتهامات، مكتفية بتثبيت روايتها عبر المعطيات الميدانية.
ويعكس هذا النهج حرصاً على استقرار العلاقات الثنائية، وإدراكاً لحساسية الوضع الداخلي في مالي وتعقيدات السياق الإقليمي.
وفي الوقت ذاته، حافظت نواكشوط على مستوى من اليقظة، مع استعداد لاتخاذ إجراءات مقابلة إذا تطور التصعيد، دون أن تبدو طرفاً مندفعاً، وهو ما حال دون منح باماكو فرصة توظيف الأزمة داخلياً تحت شعار «الاستفزاز الخارجي».
وخلاصة الأمر أن موريتانيا نجحت في تحويل مسار الأزمة من مواجهة محتملة إلى احتواء محسوب، مستندة إلى تقرير استخباراتي دقيق وتحرك دبلوماسي هادئ، أما مالي فاختارت التراجع دون اعتذار، مكتفية بتعديل روايتها.
لكن خلف هذا الهدوء، تبقى مؤشرات التوتر قائمة، في منطقة الساحل التي تُدار فيها الأزمات غالباً وهي على حافة الانفجار… دون أن تنفجر بالكامل.

تعليقات الزوار
لا تعليقات