سمعت كما سمع الكثير من الجزائريين منذ أيام «خبر» إطلاق سراح أحمد أويحيى الوزير الأول الأسبق المسجون في قضايا فساد منذ بداية الحراك الشعبي، قيل إنها لدواع صحية (مواليد1952)، «خبر» تناقلته بعض صفحات فيسبوك، ولم يؤكده أي مصدر رسمي لحد الآن.
رغم تواتر المعلومات التي تتكلم منذ فترة، عن إمكانية إطلاق سراح هذه الوجوه السياسية الكبيرة، في السنة التي تمت محاكمتها خلال ذلك الظرف السياسي المضطرب، تجاوز عمر بعضهم التسعين سنة كما هو حال جمال ولد عباس الأمين العام الأسبق لجبهة التحرير (92 سنة) الذي تم نشر خبر وفاته عبر الوسائط الاجتماعية، وأنا أحرر هذه المقالة، من دون تأكيد رسمي من عائلة المعني أو السلطات، ورئيس الوزراء الأسبق عبد الملك سلال 78 سنة.
هذا ما جعلني أعود إلى هذا الموضوع، لأتكلم عن فلسفة العقوبة والسجن في الجزائر، عندما يتعلق الأمر بمثل هذه القضايا ذات المنحى السياسي، التي تحيل من خلال طابعها الإنساني إلى حالة مساجين عشرية العنف السياسي، التي كان وراءها التيار الإسلامي العنيف في تسعينيات القرن الماضي، ما زال بعض وجوهه في السجن منذ تلك الفترة، رغم الشيخوخة والأمراض المزمنة التي يعانونها، تكلم عنها المحامون المكلفون بتتبع ملفاتهم وأفراد عائلاتهم، الذين توجهوا بنداءات مكررة لطلب عفو من أصحاب القرار، للسماح لهم بالموت الهادئ في منازلهم وبين أهلهم وذويهم.
عناصر المفروض أنها دفعت ثمن سلوكها العنيف في جزئه الأكبر. رغم ما تسببت فيه من جرائم قتل وتشريد في حق المواطنين الجزائريين، ضمن حالة جنون جماعي شملت الكثير من الأطراف، في جزائر التسعينيات. لم تمح رغم ذلك، كل آثارها المدمرة، تلك السياسات الرسمية المطبقة منذ مرحلة الوئام المدني وما عرف لاحقا بالمصالحة الوطنية، التي أدت إلى كبح مسار العنف بين الجزائريين كقاعدة عامة، لم يمنع من استمرار بعض الحالات المعزولة، كما حصل هذا الأسبوع على تراب ولاية تبسة الحدودية، التي قضت فيها قوات الجيش على سبعة عناصر إرهابية مسلحة.
سياسة رسمية لم تسمح رغم نجاحاتها الميدانية في القضاء على الحقد والكراهية بين الأطراف، التي عاشت هذه المحنة، والتي قد تتطلب وقتا أطول ومقاربات أكثر تنوعا لاجتثاث ما تبقى داخل قلوب الجزائريين والجزائريات، حتى لا يعاد انتشارها لدى الأجيال الصغيرة في السن، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعالم الريفي الذي يصعب فيه تغيير مكان الإقامة والاختفاء عن الأنظار، مقارنة بالحال في المدن. كما بينت ذلك حالات العنف التي شهدتها بعض محطات ثورة التحرير، ما حصل في بلدة ملوزة كمثال، التي تستحق هي الأخرى العودة لقراءة جديدة لها اعتمادا على هذا المنطق المتسامح، في وقت هدأت فيه الأمور في الجزائر على مستوى الأفكار والعقليات، يجب استغلاله كفترة للقطيعة مع هذا المنطق العنيف الذي ميز فترات من تاريخنا، حتى لا نورث آثار هذه الكبوات التي عشناها كمجتمع ومؤسسات أثناء مرحلة محددة من التاريخ الوطني السياسي، إلى الأجيال الصغيرة في السن، غير المسؤولة عنها. تتطلب منا فتح النقاشات الضرورية حولها، ونحن نعيش حالة هدوء ونحن بعيدين عن ضغط اللحظة بكل ملابساتها.
عدت إلى هذا الموضوع، وأنا استذكر حالات العنف السياسي المحدود التي عاشتها الجزائر بعد الاستقلال، كان رد فعل السلطات إزاءها مختلفا بشكل واضح، كما حصل عند محاولة الاغتيال التي تعرض لها الرئيس هواري بومدين من قبل مجموعة من عناصر الولاية الأولى، كإحدى تداعيات انقلاب الطاهر زبيري (1968) رفض بومدين تطبيق حكم الإعدام في منفذيها. اكتفى فيها بالسجن ليتم إطلاق سراح الجميع بعد وصول الرئيس بن جديد للحكم في بداية الثمانينيات. وصلت لحد كتابة مذكراتهم للحديث عن مغامرتهم الفاشلة هذه. حوادث تم فيها إعطاء فرصة للوقت لأداء دوره عبر اتخاذ القرار المتسامح الذي أبعد الأحكام القانونية من مجال الانتقام نحو آفاق أرحب، تتسم بالكثير من الرحمة والعفو المطلوبين عند النطق بالحكم في مثل هذه القضايا، التي تسلط على متهمين أذنبوا في حق الجزائريين وخدعوهم، عبر الفساد الذي مارسوه عندما كانوا في مناصبهم العليا. لكنهم موجودون الآن في سن متقدمة وحالة صحية متدهورة. بعد قضاء سنوات طويلة في السجن، لم يعودوا يشكلون خطرا على المجتمع، بعد تجريدهم من مصادر القوة السياسية والمالية، التي استحوذوا عليها اثناء تأديتهم مهامهم الرسمية، والتي ابعدوا عنها منذ سنوات. سيبقى سيف القانون مسلطا عليهم في حالة محاولة العودة لتكرار أي سلوك غير قانوني من قبلهم.
في زمن تميزت فيه قرارات العدالة في الجزائر بالكثير من التشدد في أحكامها، كما يظهر يوميا، ليس في مجال النطق في القضايا السياسية فقط، بل في الكثير من القضايا الأخرى كما ظهر في المدة الأخيرة في قانون السير، الذي اقترحته الحكومة، أدى في نهاية الأمر إلى تعطيل صدوره من قبل نواب الغرفة الثانية. بعد موجه الغضب التي عبر عنها المتعاملون في قطاع النقل العمومي. ردع قانوني لم يثبت على أرض الواقع أنه قادر لوحده على التحكم في مثل هذه الظواهر الاجتماعية المعقدة، التي تتطلب طرق تعامل أكثر تنوعا لا يكون الردع إلا أحدها. عكس فلسفة تطبيق أحكام القانون في الجزائر التي تركز بشكل مبالغ فيها الزجر القانوني وحده كسيد للوقف. دون الانتباه بما يكفي للرحمة والتسامح التي تبقى من القيم الأساسية في تنظيم العلاقات بين المواطنين وفي علاقاتهم بالدولة ومؤسساتها.
أكتب حول التسامح والعفو في إصدار وتطبيق القانون وتطبيقها ونحن في العشر الأواخر من رمضان، الذي يفترض التركيز فيها على القيم الإيجابية التي ما زلنا في حاجة ماسة إليها جزائريا. في وقت يعيش فيه العالم والاقليم حالة اضطراب قصوى، بينت بما لا يدع مجالا للشك أن الوحدة الوطنية هي الركيزة الأساسية في بناء الدول والأمم، وحدة وطنية يبقى شرطها الأساسي قبول وتأييد المواطنين. لا يمكن تصوره في وقت ما زال يقبع فيه الكثير من الجزائريين والجزائريات في السجون بسبب تعبيرهم عن آرائهم البعيدة عن العنف، عبر الوسائط الاجتماعية الجديدة علينا كشكل تعبير جماهيري حصل معها بعض الاستعمالات غير الموفقة، بعد خروج من مرحلة الأمية مباشرة بالنسبة لأغلبية الجزائريين الشباب المستفيدين من التعليم الجماهيري الواسع. حصل فيها ما حصل في مجتمعات أخرى عرفت مظاهر الانزلاقات نفسها، في مجتمع يتعلم فيه المواطن ابجديات حرية التعبير وإبداء الرأي داخل محيط مؤسساتي لا يتوفر على كل الشروط المطلوبة.
ناصر جابي

تعليقات الزوار
لا تعليقات