أخبار عاجلة

الاوضاع الحقوقية التونسية في طريقها الى الهاوبة

يواجه المجتمع المدني في تونس ضغوطا متزايدة مع استمرار ملاحقة الجمعيات المدنية وتجميد بعضها ما يهدد بقاء واستمرارية العمل المدني. وخلال عام 2025 أقرّت السلطات التونسية تجميد عدد من الجمعيات منها جمعية النساء الديمقراطيات والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. الأمر الذي دفع بعدد من النشطاء في المجتمع المدني إلى التحرك في وقفات احتجاجية متواصلة دفاعا عن حرية العمل المدني والسياسي.

رسالة رمزية

وتواصل «حملة ضد تجريم العمل المدني» حراكها من أجل الدفاع عن النشطاء والناشطات في المجتمع المدني. واكتسبت الوقفة الاحتجاجية الأخيرة ضد تجريم العمل المدني والتضييق على الجمعيات دلالة خاصة. فهي لم تكن مجرّد تحرك دفاعي عن جمعيات بعينها، بل كانت رسالة رمزية مفادها أن المجتمع المدني الذي شكّل أحد أبرز مكاسب ما بعد 2011 يواجه اليوم اختبارًا وجوديًا. فقد شهدت الفترة الماضية فتح تحقيقات، وتعليق أنشطة، وتجميد حسابات، وتوجيه اتهامات تتعلق بالتمويل أو بالمساس بالأمن العام إلى عدد من الجمعيات. وبالنسبة للمدافعين عنها، فإن هذه الإجراءات، مهما كانت مبرراتها الرسمية، تُحدث أثرًا ردعيًا واسعًا يتجاوز الكيانات المعنية مباشرة، ليطال كامل الفضاء الجمعياتي.
واللافت في الوقفة الاحتجاجية أنها جمعت بين شعارات متعددة، لكنها تلتقي عند فكرة واحدة: رفض تجريم الفعل المدني. فقد رُفعت مطالب تدعو إلى احترام حرية تكوين الجمعيات، ووقف الملاحقات الإدارية والقضائية التي يُنظر إليها على أنها ذات طابع سياسي، وضمان حق الجمعيات في العمل والتمويل بشفافية بدون وصم أو تشهير. كما حضرت بقوة مسألة الإفراج عن المساجين السياسيين، في تأكيد على أن التضييق لا يقتصر على الأفراد، بل يشمل أيضًا الأطر الجماعية التي تنظّم الفعل العام.
ويكمن جوهر الإشكال في تعريف «الأمن» وحدوده. فالسلطة تؤكد في خطابها أن الإجراءات المتخذة تهدف إلى حماية الدولة من الاختراقات ومن الفوضى ومن التأثيرات الخارجية، وتقدّم نفسها باعتبارها مسؤولة عن حفظ الاستقرار في سياق إقليمي ودولي مضطرب. في المقابل، ترى الناشطة الحقوقية آمنة الشابي في حديثها لـ«القدس العربي» أن مفهوم الأمن لا يمكن أن يتحوّل إلى مظلة واسعة تبرّر تقييد الحقوق الأساسية، وأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا عبر احترام القانون وضمان التعددية وفتح المجال للنقد والمساءلة.
وتضيف بالقول: «لقد عاشت تونس بعد 2011 تجربة فريدة في المنطقة، حيث ازدهر العمل الجمعياتي وتضاعف عدد المنظمات الناشطة في مجالات حقوق الإنسان والتنمية والبيئة والثقافة والحوكمة الرشيدة. وكان لهذا الزخم دور في تأطير النقاش العام ومراقبة السياسات العمومية والدفاع عن الفئات الهشة. لذلك، فإن أي تراجع في هذا المجال يُقرأ، بحسب المعارضة الحقوقية، بوصفه تراجعًا عن روح المرحلة السابقة، حتى وإن كانت تلك المرحلة نفسها لم تخلُ من أزمات واختلالات.» وفق قولها.

واقع العلاقة
بين السلطة والمعارضة

ان التحركات الحقوقية في تونس خلال الأشهر الأخيرة لم تعد مجرّد أحداث متفرقة أو بيانات احتجاجية عابرة، بل تحوّلت إلى مسار يعكس حالة احتقان عميقة في صفوف المعارضة، وقلقًا متزايدًا لديهم بشأن مستقبل الحريات العامة والفردية. فبعد الإفراج عن المحامي والقاضي الإداري السابق أحمد صواب، لم تنطفئ جذوة المطالب الحقوقية، بل اتسعت لتشمل دعوات واضحة للإفراج عن بقية المساجين على خلفيات سياسية، ولوقف ما يعتبره ناشطون مسارًا متصاعدًا لتجريم العمل المدني والتضييق على الجمعيات. وبين هذين الحدثين، تتشكل معادلة جديدة عنوانها الصراع على طبيعة الدولة وحدود السلطة ومكانة المجتمع المدني في المعادلة السياسية الراهنة.
لقد جاء الإفراج عن أحمد صواب بعد أشهر من الجدل القانوني والسياسي، ليُستقبل من قبل طيف واسع من الحقوقيين باعتباره خطوة إيجابية، لكنها بدت غير كافية. فالرجل الذي عُرف بمواقفه المنتقدة لخيارات السلطة وبحضوره في قضايا ذات طابع سياسي، تحوّل اعتقاله إلى رمز لما اعتبره كثيرون استهدافًا للأصوات القانونية المدافعة عن المعارضين. وحين صدر قرار الإفراج عنه، سادت حالة من الارتياح في أوساط المحامين والنشطاء وعائلات الموقوفين، غير أن هذا الارتياح سرعان ما تحوّل إلى سؤال أكبر: إذا كان الإفراج ممكنًا في هذه الحالة، فلماذا لا يشمل سواه ممن لا يزالون خلف القضبان في قضايا مشابهة؟
هكذا تحوّلت قضية فردية إلى مدخل لنقاش أشمل حول واقع العلاقة بين السلطة والمعارضة في تونس التي باتت سمتها الغالبة الإيقافات والمحاكمات والاتهامات المتبادلة. فقد ارتفعت أصوات تطالب بمراجعة شاملة للملفات القضائية المتعلقة بما يُعرف بقضايا «التآمر على أمن الدولة» أو «نشر الأخبار الزائفة» أو غيرها من القضايا التي يرى المدافعون عن المتهمين في هذه القضايا أن فيها طابعًا سياسيًا واضحًا. ولم تعد المسألة مقتصرة على التضامن مع أشخاص بعينهم، بل أصبحت مطلبًا في صفوف المعارضة يتعلّق بضمانات المحاكمة العادلة واستقلال القضاء ومنع توظيف النصوص القانونية في تصفية الخصوم أو إسكات المعارضين على حد تعبيرهم.
وللإشارة فإن الحراك الاحتجاجي في الشارع للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين لم يكن صاخبًا في السنوات الأخيرة، لكنه كان ثابتًا ومتواصلًا. كانت هناك باستمرار وقفات تضامنية، وبيانات مشتركة، وحملات إلكترونية، وتحركات أمام المحاكم، اعتبرها البعض أشكالا تعبّر عن إصرار جزء من المجتمع على إبقاء ملف الحريات مفتوحًا. وقد شاركت في هذه التحركات عائلات الموقوفين ومحامون وحقوقيون ونشطاء سياسيون، وأحيانًا مواطنون لا ينتمون إلى أي تنظيم، لكنهم يشعرون، سواء أكان شعورهم صحيحا أم خاطئا، بأن مناخ الخوف يتسع وأن دائرة التضييق قد تطال أي صوت مختلف.
إن التحركات الحقوقية الأخيرة لا يمكن فصلها عن السياق السياسي العام الذي تعيشه البلاد منذ 25 تموز/يوليو 2021، يوم أعلن الرئيس قيس سعيّد جملة من التدابير الاستثنائية التي أعادت رسم موازين القوى داخل الدولة. فمنذ ذلك التاريخ، شهدت البلاد حلّ البرلمان السابق، وإصدار دستور جديد، وتغييرًا في هندسة النظام السياسي، وسط انقسام حاد بين من يعتبر ما جرى تصحيحًا لمسار متعثر، ومن يراه انزلاقًا نحو تركيز السلطة وتهميش المؤسسات الوسيطة.
في ظل هذا الانقسام، أصبحت قضايا الحريات مرآة تعكس عمق الخلاف بين السلطة والمعارضة. فكل إيقاف أو محاكمة أو قرار إداري يُقرأ في ضوء هذا الصراع الأكبر حول طبيعة المرحلة. وعندما يُفرج عن شخصية معروفة مثل أحمد صواب، يُطرح السؤال فورًا: هل نحن أمام بادرة انفراج حقيقي، أم مجرد استثناء لا يغيّر الاتجاه العام؟ الإجابات تختلف بطبيعة الحال، لكن الثابت أن الثقة بين السلطة وجزء من المجتمع المدني تآكلت بشكل ملحوظ.
ويرى البعض أن هذه الأجواء تترك آثارًا تتجاوز النخب السياسية والحقوقية. فحين يشعر المواطن العادي بأن التعبير عن الرأي قد يعرّضه للمساءلة، أو بأن الانخراط في جمعية قد يضعه تحت طائلة الشبهات، فإن ذلك ينعكس على حيويته ومبادرته وثقته في المجال العام. ومع تفاقم الصعوبات الاقتصادية وارتفاع نسب البطالة وتراجع القدرة الشرائية، يصبح المجال الحقوقي برأيهم جزءًا من معادلة أوسع عنوانها الكرامة والعدالة الاجتماعية.
لقد حاولت بعض المبادرات الحقوقية في الأشهر الأخيرة بناء جسور بين مختلف الأطراف، والدعوة إلى حوار وطني يضع مسألة الحريات في صدارة الأولويات، بعيدًا عن منطق التخوين أو التصنيف. غير أن هذا المسعى يصطدم بواقع الاستقطاب، حيث يميل كل طرف إلى التشكيك في نوايا الآخر. ومع ذلك، فإن استمرار التحركات، ولو بأشكال محدودة، يدل برأي هؤلاء على أن المجتمع التونسي لم يفقد بعد قدرته على التعبئة وعلى الدفاع عن مساحات حريته.
ويرى هؤلاء أيضا أن الدعوات إلى الإفراج عن بقية المساجين في الوقفات الاحتجاجية خاصة بعد الإفراج عن أحمد صواب تعبّر عن فهم متنامٍ بأن العدالة لا تتجزأ، وأن الإنصاف في حالة واحدة يفرض مراجعة الحالات الأخرى. كما أن الوقفة ضد تجريم العمل المدني تؤكد برأيهم أن الدفاع عن الحرية ليس شأنًا فرديًا، بل مسؤولية جماعية تتطلب تضامنًا عابرًا للانتماءات. وبين هذين المسارين، تتبلور لحظة مفصلية قد تحدد شكل العلاقة بين الدولة والمجتمع في السنوات المقبلة.
ويرى هؤلاء أن هذه التحركات محدودة التأثير في ظل ميزان قوى يميل بوضوح إلى السلطة، لكن التجربة التونسية نفسها أظهرت برأيهم وفي أكثر من محطة أن التراكم الهادئ يمكن أن يصنع تحولًا نوعيًا. فالأفكار التي تُطرح اليوم في وقفة صغيرة قد تتحول غدًا وحسب هؤلاء إلى مطلب وطني واسع، والملفات التي تبدو معزولة قد تتقاطع لتشكّل قضية رأي عام جامعة.
ولعل السؤال الذي يطرحه الكثير من المهتمين بالشأن الحقوقي في تونس، هل تبقى تونس فضاءً مفتوحًا للنقاش والتنظيم والاختلاف، أم تنزلق تدريجيًا نحو تضييق المجال العام؟ الإجابة بحسب هؤلاء ليست حتمية، بل رهينة توازنات داخلية وضغوط مجتمعية وخيارات سياسية لم تُحسم بعد. لكن المؤكد برأيهم أن التحركات الحقوقية الأخيرة، بما حملته من شعارات ومطالب ورمزية، أعادت وضع ملف الحريات في قلب النقاش الوطني، وذكّرت الجميع بأن معركة الكرامة والحرية لم تنتهِ على حد تعبيرهم، بل دخلت فصلًا جديدًا تتداخل فيه الاعتبارات القانونية والسياسية والاجتماعية، وتبقى فيه الكلمة الأخيرة لإرادة التونسيين وقدرتهم على الدفاع عن مكتسباتهم وصياغة مستقبلهم المشترك.

ضرورة
تغليب الحوار

يرى الكاتب والباحث الاجتماعي والسياسي هشام الحاجي في حديثه لـ«القدس العربي» أنه في خضمّ التطورات الأخيرة التي شهدتها الساحة الوطنية، وعلى رأسها الإفراج عن أحمد صواب وما رافقه من نقاشات حول وضعية عدد من الموقوفين في قضايا ذات طابع سياسي والمطالبات بالإفراج عنهم، إلى جانب الجدل القائم بشأن الإجراءات المتخذة في حق بعض الجمعيات، يبدو من الضروري اعتماد مقاربة متوازنة تضع مصلحة البلاد واستقرارها في مقدّمة الأولويات. ويتم ذلك برأي الكاتب والباحث التونسي من دون التفريط في المكاسب الحقوقية الهامة جدا التي راكمتها تونس عبر عقود طويلة أو ربما قرون.
ويضيف الحاجي قائلا: «إن الإفراج عن أحمد صواب مثّل خطوة لاقت ارتياحًا لدى طيف واسع من المتابعين، واعتُبر مؤشرًا إيجابيًا على إمكانية مراجعة بعض القرارات أو الأحكام في إطار احترام القانون وضمان حقوق الدفاع. وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن استمرار الجدل حول بقية الملفات القضائية يطرح تساؤلات مشروعة حول آجال التقاضي، وظروف الإيقاف، ومدى تكافؤ الضمانات القانونية لجميع المتهمين، أيًا كانت توجهاتهم أو مواقعهم. ومن المهم في هذا السياق التأكيد على أن استقلال القضاء وشفافية إجراءاته يشكّلان حجر الزاوية في تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع».
أما في ما يتعلّق بالجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، يضيف بالقول: «إن الدور الذي اضطلعت به هذه المكونات في مجالات التنمية والحقوق الاجتماعية والرقابة المدنية لا يمكن تجاهله. وفي الوقت نفسه، من حق الدولة أن تحرص على احترام القوانين المنظمة للعمل الجمعياتي، خاصة ما يتصل بالشفافية المالية والالتزام بالأنشطة المصرّح بها. غير أن تحقيق هذا التوازن يتطلب وضوحًا في المعايير، وتكافؤًا في التطبيق، وحرصًا على ألا تتحوّل الإجراءات الإدارية أو القضائية إلى مصدر تخوّف عام يحدّ من المبادرة المدنية أو يخلق مناخًا من الشك المتبادل».
وتابع بالقول: «إن تونس تمرّ بمرحلة دقيقة سياسيًا واقتصاديًا، وهو ما يضاعف الحاجة إلى مناخ هادئ يسمح بإدارة الخلافات في إطار القانون والحوار. إن حماية الأمن والاستقرار هدف مشروع، لكنّه لا يجب أن يتعارض مع صون الحريات الأساسية، بل إن التجارب أثبتت أن الاستقرار المستدام يقوم على الثقة والمشاركة واحترام الحقوق».
وعليه، فإن المطلوب اليوم، برأي هشام الحاجي، هو تغليب منطق التهدئة، وتوسيع مساحات الحوار بين مختلف الفاعلين، والعمل على معالجة الملفات الحقوقية بروح منفتحة ومسؤولة. فتعزيز دولة القانون لا يتحقق برأيه بالمواقف المتشنجة، بل بإرادة مشتركة توازن بين مقتضيات السيادة ومتطلبات الحرية. فتونس تحتاج للإصلاح في إطار احترام كرامة مواطنيه وسيادة مؤسساته واحترام الحقوق الدستورية والحريات في آن معا.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات