يشهد ملف اغتيال المترشح الرئاسي سيف الإسلام معمر القذافي تطوراً جديداً مع إعلان النيابة العامة تحديد هويات مشتبهين في الجريمة، في خطوة أعادت القضية إلى واجهة المشهد السياسي والأمني في ليبيا، في وقت تتواصل فيه الدعوات المحلية والدولية لكشف ملابسات الاغتيال ومحاسبة المسؤولين عنه. وبينما تتقدم التحقيقات القضائية، تتقاطع القضية مع تحركات سياسية يقودها المجلس الرئاسي في محاولة لاحتواء الانقسام وإحياء مسارات الحوار الوطني التي تعثرت خلال السنوات الماضية.
وأعلنت النيابة العامة أنها أمرت بضبط وإحضار ثلاثة متهمين في جريمة قتل سيف الإسلام القذافي بمدينة الزنتان، بعد أن تمكن المحققون من التعرف على هوياتهم وتحديد المركبات التي استخدموها أثناء تنفيذ العملية التي وقعت الشهر الماضي. وأوضح بيان صادر عن مكتب النائب العام أن التحقيقات الميدانية والفنية قادت إلى تحديد تحركات المشتبهين قبل تنفيذ الجريمة وبعدها، الأمر الذي مكّن الجهات المختصة من رسم صورة أوضح لتفاصيل الواقعة، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً على تقدم التحقيقات في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في ليبيا خلال الفترة الأخيرة.
وبحسب البيان، فإن المتهمين ترصدوا للمجني عليه في محيط محل إقامته بالزنتان، قبل أن يتمكنوا من الوصول إليه داخل فناء المنزل بعد تسلق الجدار الخارجي. وأشار التحقيق إلى أن المهاجمين حاصروا سيف الإسلام في مساحة ضيقة حالت دون تمكنه من الفرار أو الدفاع عن نفسه، قبل أن يفتحوا النار عليه باستخدام بنادق رشاشة، ما أدى إلى إصابته بعدة طلقات استقرت في جسده وأخرى اخترقته لترديه قتيلاً في مكان الحادث. ولم يكشف مكتب النائب العام حتى الآن عن أسماء المشتبهين الثلاثة، مكتفياً بالإشارة إلى صدور أوامر بالقبض عليهم وإحضارهم لاستكمال التحقيقات.
وأوضح البيان أن فرق التحقيق انتقلت إلى موقع الجريمة فور وقوعها، حيث جرى توثيق مواضع الإصابات في جسد الضحية وتسجيل الملاحظات المتعلقة بآثار إطلاق النار داخل المنزل ومحيطه. كما استمع المحققون إلى إفادات عدد من الشهود الذين توافرت لديهم معلومات عن الحادثة وظروفها، في حين تولى فريق الدعم الفني تحليل الأدلة والقرائن الرقمية والميدانية المرتبطة بتحركات المشتبهين قبل تنفيذ العملية وبعدها. وأسفر هذا العمل الفني عن تحديد مكان اجتماع المشتبهين قبل ارتكاب الجريمة، والطرق التي استخدموها للوصول إلى موقع الحادث والمركبات التي استقلوها خلال تنقلاتهم.
ويعود حادث اغتيال سيف الإسلام القذافي إلى الثالث من شباط/فبراير الماضي عندما قُتل داخل منزله بمدينة الزنتان على يد مسلحين مجهولين، في حادثة أثارت ردود فعل واسعة في الداخل الليبي وخارجه. وفي اليوم التالي للحادث أعلنت النيابة العامة فتح تحقيق رسمي لكشف ملابساته وتحديد المسؤولين عنه، وسط مطالبات واسعة بضرورة إجراء تحقيق شفاف ومستقل يضمن عدم إفلات الجناة من العقاب.
وفي سياق الجهود الرامية إلى دعم التحقيقات، وقع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي في الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي مذكرة تفاهم مع فريق دولي من الخبراء القانونيين والمتخصصين بهدف تنسيق الجهود لجمع الأدلة والقرائن المرتبطة بالقضية. وجاء توقيع المذكرة خلال استقبال المنفي للفريق الدولي بمقر المجلس الرئاسي، حيث ناقش الجانبان الجوانب القانونية والإجرائية المتعلقة بالقضية وسبل تعزيز التعاون الفني والقضائي للوصول إلى الحقيقة الكاملة بشأن حادثة الاغتيال.
وتقضي مذكرة التفاهم بوضع آليات مشتركة للعمل بين الجهات الليبية والفريق الدولي، بما يشمل تنسيق الجهود المتعلقة بجمع الأدلة وتحليلها وتبادل المعلومات المرتبطة بالقضية. كما تشمل متابعة عدد من الملفات ذات الصلة التي قد تساعد في توضيح السياق العام للجريمة. وأكد المنفي خلال اللقاء حرصه على إرساء مبادئ العدالة ومنع الإفلات من العقاب، مشدداً على ضرورة تمكين المؤسسات المختصة من أداء مهامها باستقلالية ومهنية بما يعزز سيادة القانون في البلاد.
وفي موازاة ذلك، شددت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا ورئيسة بعثة الدعم الأممية هانا تيتيه على ضرورة كشف ملابسات اغتيال سيف الإسلام القذافي، مؤكدة في إحاطتها الدورية أمام مجلس الأمن الدولي أن ظروف الحادثة لا تزال غير واضحة حتى الآن. ودعت تيتيه السلطات الليبية إلى إنجاز تحقيق شفاف وكافٍ يضمن محاسبة المسؤولين عن الجريمة، مشيرة إلى أن إرساء العدالة في مثل هذه القضايا يمثل عاملاً أساسياً لتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة.
وتتجاوز تداعيات القضية بعدها الجنائي لتلامس المشهد السياسي الليبي الذي لا يزال يعيش حالة من الانقسام بين المؤسسات المتنافسة. ففي الوقت الذي تتواصل فيه التحقيقات، برزت دعوات جديدة لإحياء المسار السياسي، حيث رحب رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بالدعوة التي أطلقها رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد لاستكمال الحوار الثلاثي الذي انطلق سابقاً في القاهرة.
وأكد المنفي أن استئناف هذا الحوار يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو توحيد المؤسسات وإنهاء حالة الانقسام، مشدداً على أهمية أن يكون المسار السياسي قائماً على الملكية الوطنية واحترام السيادة الليبية والمرجعيات الدستورية القائمة. كما دعا إلى عقد جولة جديدة من الحوار داخل إحدى المدن الليبية مثل سرت أو بنغازي أو غدامس، في محاولة لإضفاء طابع وطني على المفاوضات بدلاً من استمرارها خارج البلاد.
واقترح المنفي أن يشارك في هذا الحوار ممثلون عن الأحزاب الوطنية إلى جانب حضور دولي بصفة مراقب، يشمل الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الإسلامي، إضافة إلى سفراء الدول الفاعلة في الملف الليبي. ويرى أن مثل هذا الإطار يمكن أن يمهد لمسار سياسي جامع يقود في نهاية المطاف إلى توحيد مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات المؤجلة منذ سنوات.
في المقابل، دعا رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد، إلى إطلاق حوار وطني شامل يفضي إلى تشكيل حكومة موحدة توافقية، محذراً من أن استمرار حالة الانقسام وتعثر المسارات الدستورية والتنفيذية يشكلان خطراً متزايداً على وحدة البلاد واستقرارها. غير أن هذه الدعوة أثارت تساؤلات حول مستقبل الترتيبات السياسية القائمة، في ظل استمرار الخلافات بين المؤسسات المختلفة حول آليات تشكيل السلطة التنفيذية المقبلة.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا يزال فيه المشهد الليبي يواجه تحديات معقدة تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقرار السياسي والأمني. وبينما يترقب الليبيون نتائج التحقيقات في قضية اغتيال سيف الإسلام القذافي، تبقى هذه القضية اختباراً لقدرة مؤسسات العدالة على كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، في بلد عانى طويلاً من الإفلات من العقاب وتراكم ملفات العنف السياسي دون حسم واضح.
النيابة العامة الليبية تلاحق متهمين في اغتيال سيف الإسلام القذافي

تعليقات الزوار
لا تعليقات