في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واتساع رقعة المواجهة غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بدأت تداعيات هذه الأزمة تنعكس على الخطاب السياسي والإعلامي في موريتانيا، حيث برزت خلال الأيام الأخيرة دعوات رسمية للموريتانيين في الخارج، خصوصاً في منطقة الخليج، إلى توخي الحذر ومتابعة تطورات الأوضاع الأمنية عن كثب. وتأتي هذه الدعوات في سياق مخاوف من اتساع نطاق التصعيد العسكري واحتمالات انعكاسه على استقرار المنطقة التي تحتضن أعداداً معتبرة من الجاليات الموريتانية.
وأظهرت النقاشات المتداولة في الأوساط السياسية والإعلامية وعلى منصات التواصل الاجتماعي قدراً ملحوظاً من التعاطف مع إيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة، وهو تعاطف تغذّيه في جانب منه مواقف رافضة للهيمنة الغربية وسياسات واشنطن في الشرق الأوسط.
غير أن هذا التعاطف لم يخلُ من جدل حاد، خاصة مع تداول تقارير عن ضربات إيرانية استهدفت مواقع في بعض دول الخليج، وهو ما فتح نقاشاً داخلياً حول حدود الموقف الأخلاقي والسياسي من الصراع؛ بين من يرى في إيران طرفاً يواجه نفوذاً دولياً ضاغطاً، ومن يحذر من أي تصعيد قد يهدد أمن الدول العربية واستقرارها.
وبين هذين الاتجاهين، تتشكل في موريتانيا مساحة نقاش سياسي وإعلامي معقدة، تعكس تداخل الاعتبارات الجيوسياسية مع الروابط الاجتماعية والاقتصادية التي تربط البلاد بمنطقة الخليج، فضلاً عن حساسية الرأي العام تجاه القضايا المرتبطة بالصراعات الدولية والاصطفافات الإقليمية. ويأتي ذلك في وقت تترقب فيه الجاليات الموريتانية في الخارج، كما الداخل الموريتاني، مآلات هذا التصعيد وما قد يحمله من تداعيات على الأمن الإقليمي وعلى مصالح المواطنين في مناطق التوتر.
وأعلنت وزارة الشؤون الخارجية الموريتانية في بيان رسمي، أنها «تتابع عن كثب أوضاع الجالية الموريتانية في منطقتي الخليج العربي والشرق الأوسط، وذلك بتعليمات من الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني».
ودعت الوزارة «المواطنين الموريتانيين المقيمين في الدول المعنية إلى توخي أقصى درجات الحيطة والحذر والالتزام بتعليمات السلطات المختصة في البلدان المضيفة، كما حثتهم على التواصل عند الضرورة مع البعثات الدبلوماسية والقنصلية الموريتانية في تلك الدول».
تشكيل خلية أزمة
وفي إطار متابعة أوضاع المواطنين، أعلنت الوزارة عن «إنشاء خلية أزمة داخلية تتولى المتابعة الفورية والمستمرة لأوضاع الجاليات الموريتانية في المنطقة، بالتنسيق مع البعثات الدبلوماسية والقنصلية، التي جرت تعبئتها لتقديم مختلف أشكال الدعم والمساندة للمواطنين».
وفي موازاة هذه التطورات، تشهد الساحة السياسية في موريتانيا تفاعلاً لافتاً مع الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، حيث برزت مواقف عديدة عبّرت عن تضامن مع إيران بوصفها طرفاً يواجه، بحسب أصحاب هذه المواقف، «الكيان الصهيوني، إسرائيل المدعومة من الولايات المتحدة».
وفي هذا السياق، توافدت شخصيات اعتبارية وقادة أحزاب معارضة وفاعلون سياسيون إلى السفارة الإيرانية في نواكشوط لتقديم التعازي في وفاة المرشد الإيراني علي خامنئي، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً على حجم التعاطف الذي تبديه بعض الأوساط السياسية والشعبية في موريتانيا مع إيران في سياق الصراع الإقليمي.
وقد دوّن بعض هؤلاء في السجل عبارات إشادة بالمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، مشيدين بما وصفوه بـ»مواقفه الشجاعة» في مواجهة الضغوط الدولية، ومعتبرين وفاته، بحسب ما ورد في تلك العبارات، «نيلًا لشرف الشهادة».
وقدم حزب اتحاد قوى التقدم المعارض، وهو من أعرق الأحزاب السياسية الموريتاني، تعازيه إلى الشعب الإيراني في مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من القادة الإيرانيين، إضافة إلى ضحايا الهجمات الأخيرة، معربا عن إدانته لما وصفه بـ»الاعتداءات الصهيونية الأمريكية».
وأكد الحزب، في بيان سلمه للسفير الإيراني بنواكشوط، أنه يرفض هذه الهجمات ويعتبرها تصعيدا خطيرا في المنطقة، داعيا الدول العربية إلى عدم السماح باستخدام أراضيها منطلقا لأي عمليات عسكرية تستهدف إيران.
واعتبر الحزب أن ما يجري يمثل، وفق تعبيره، حلقة ضمن مسار أوسع قد يطال دولا أخرى في المنطقة، مشيرا إلى أن مآلات الحرب الدائرة سيكون لها تأثير مباشر على مستقبل الاستقرار الإقليمي.
دعوات لتوحيد المواقف
كما دعا الحزب الدول العربية والإسلامية، إلى جانب ما وصفهم بـ»الأحرار في العالم»، إلى توحيد المواقف في مواجهة التصعيد الراهن، والعمل على تجنب اتساع دائرة النزاع.
ويربط كثير من المتضامنين هذا الموقف بما يعتبرونه مواجهة أوسع مع الاحتلال الإسرائيلي، مؤكدين أن إيران تمثل – في نظرهم – أحد أبرز الأطراف الداعمة لما يعرف بمحور المقاومة في المنطقة، خاصة في ظل استمرار الحرب في غزة والتوتر المتصاعد بين طهران وتل أبيب.
وبالتوازي مع هذا المناخ السياسي، أثارت الضربات الإيرانية التي طالت مواقع في بعض دول الخليج نقاشاً فكرياً لافتاً بين شخصيات موريتانية بارزة، من بينها وزير الخارجية الموريتاني الأسبق ورئيس جامعة نواكشوط سابقاً إسلكو ولد أحمد إزيد بيه، والرئيس الأسبق للمحكمة العليا السيد ولد الغيلاني.
وكان ولد إزيد بيه قد نشر تحليلاً مطولاً حذر فيه من سيناريو اعتبره خطيراً، مستحضراً تجارب العراق وليبيا وسوريا، حيث أدى إسقاط الأنظمة أو زعزعة استقرارها، بحسب طرحه، إلى فوضى إقليمية ما تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.
وأشار إلى أن أي محاولة لإعادة إنتاج هذا السيناريو في إيران قد تكون لها تداعيات أوسع، بالنظر إلى ثقل إيران الديمغرافي وموقعها الجيو استراتيجي في منطقة تعد من أهم مناطق إنتاج الطاقة في العالم.
غير أن هذا الطرح قوبل بتعقيب نقدي من الرئيس الأسبق للمحكمة العليا السيد ولد الغيلاني، الذي رأى أن توصيف إيران بأنها «هاجمت جيرانها العرب»، لا يعكس – في تقديره – السياق الكامل للأحداث.
وأوضح ولد الغيلاني «أن الضربات التي طالت بعض المواقع في الخليج يمكن فهمها، وفق قراءته، باعتبارها رداً على هجوم مشترك إسرائيلي–أمريكي استهدف مؤسسات الدولة الإيرانية وأوقع خسائر بشرية ومادية».
وفي خضم هذا النقاش، قدم المحلل الاستراتيجي الموريتاني محمد الأمين فاضل تصوراً سياسياً لما ينبغي القيام به خلال الحرب وبعد انتهائها، من أجل تمكين الدول العربية والإسلامية من تعزيز مكانتها في نظام عالمي متعدد الأقطاب يتشكل حالياً.
واقترح المحلل الموريتاني، لتهيئة الظروف لهذا التحالف، جملة من الخطوات التطمينية، من بينها أن تعتذر إيران عن تدخلاتها السابقة في بعض الدول العربية وأن تتخلى نهائياً عن أي وصاية سياسية أو مذهبية خارج حدودها.
ويعكس هذا الجدل – بحسب متابعين – طبيعة النقاش الدائر في موريتانيا حول الحرب في الشرق الأوسط، حيث يتقاطع التعاطف الشعبي مع القضية الفلسطينية مع قراءات مختلفة لموازين القوى الدولية ودور الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة.
وفي ظل استمرار التصعيد، يبقى النقاش في موريتانيا مفتوحاً بين مقاربات متعددة تحاول فهم أبعاد الصراع وتداعياته المحتملة على المنطقة والعالم.
دعوة للجاليات الموريتانية بتوخي الحذر خصوصاً في منطقة الخليج

تعليقات الزوار
لا تعليقات