اتسعت رقعة الاشتباكات في الجنوب الليبي خلال الأيام الماضية بين قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر ومجموعة مسلحة تنشط على الشريط الحدودي مع النيجر، في تصعيد جديد يعيد معبر التوم إلى واجهة الأحداث، ويعكس استمرار عسكرة فزان وتحويله إلى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات عسكرية وأمنية، وسط تحذيرات من تداعيات أي تحركات عابرة للحدود على السيادة الليبية وعلاقات الجوار، وفي ظل مخاوف من تكريس واقع عسكري مواز بعيدا عن مؤسسات الدولة الموحدة.
وأعلنت الكتيبة الليبية للكوماندوز 123 التابعة للواء طارق بن زياد تنفيذ تدريبات متقدمة بالذخيرة الحية شملت اقتحام أهداف ومبان مغلقة، وتنفيذ مناورات تكتيكية في بيئات صحراوية متنوعة، وذلك تحت إشراف صدام حفتر، في خطوة ربطها محللون بتصاعد الاستعدادات الميدانية جنوبا، خاصة مع انتقال وحدات عسكرية من محيط سرت باتجاه مناطق التماس على الحدود، ورفع حالة التأهب في عدد من القواعد والنقاط العسكرية في فزان.
وتعود جذور التوتر الحالي إلى أواخر كانون الثاني/يناير الماضي عندما تعرضت ثلاث نقاط حدودية، هي معبر التوم ونقطتا وادي بوغرارة والسلفادور، لهجمات متزامنة أسفرت عن سقوط قتلى وأسرى في صفوف القوات المتمركزة هناك، قبل أن تعلن قوات حفتر لاحقا استعادة السيطرة على المعبر، الذي يشكل أحد أهم المنافذ البرية في الجنوب ويرتبط بشبكات طرق تستخدم في تهريب الوقود والسلع والسلاح والبشر عبر الصحراء الكبرى. وخلال الجولة الأخيرة من التصعيد، أعلنت قوات حفتر أن قافلة تابعة للواء 604 مشاة تعرضت لهجوم بطائرة مسيرة قرب الحدود مع النيجر، ما أدى إلى مقتل عدد من عناصرها، واتهمت مجموعة يقودها محمد وردقو، رئيس ما يسمى غرفة عمليات تحرير الجنوب، بالمسؤولية عن الهجوم، قبل أن تعلن تنفيذ ضربات جوية استهدفت مواقع قالت إنها تابعة للمجموعة نفسها على امتداد الشريط الحدودي.
كما أعلن المكتب الإعلامي للواء 604 تنفيذ عملية قال إنها أسفرت عن تحرير أسرى وتوجيه ضربات مباشرة لمقرات خصومه، في حين أصدر اللواء المتقاعد خليفة حفتر بيانا أعلن فيه نجاح مهمة قتالية داخل نطاق حدودي، مؤكدا الاستمرار في ما وصفه بعمليات تطهير الجنوب، وتزامن ذلك مع بيانات نعي لعناصر سقطوا خلال المواجهات، في وقت أفادت فيه مصادر ميدانية بمقتل أربعة عناصر من اللواء ذاته إثر انفجار لغم أرضي في آلية عسكرية أثناء عودتها من مهمة ملاحقة جنوبا، ما يعكس طبيعة المخاطر المركبة التي تحيط بالعمليات في الصحراء.
وفي المقابل، واصلت غرفة عمليات تحرير الجنوب نشر تسجيلات مصورة أكدت فيها استمرار عملياتها ضد قوات حفتر، ونفت توصيفها كجماعة إرهابية، معتبرة نفسها امتدادا لقوى محلية في الجنوب، بينما أعلنت شخصيات اجتماعية من مكونات في فزان رفضها المساس بأمن المنطقة أو الزج بها في صراع مفتوح، داعية إلى تحييد الجنوب عن الاستقطاب العسكري.
التطور الأبرز تمثل في إعلان المنطقة العسكرية الجنوبية التابعة لقوات حفتر التوصل إلى اتفاق مع الجيش التشادي لإنشاء غرفة عمليات مشتركة عند النقطة 35 الحدودية، بهدف تنسيق الدوريات وإطلاق عمليات ميدانية مشتركة بدعم جوي، وهو ما اعتبره محللون خطوة تعكس توجها لترسيخ ترتيبات أمنية عابرة للحدود خارج الإطار الوطني الجامع، خاصة مع حديث منصات تشادية عن وقوع اشتباكات داخل الأراضي النيجرية وسقوط قتلى في صفوف الجيش التشادي خلال عملية مشتركة، دون صدور توضيحات رسمية حاسمة من حكومتي النيجر أو تشاد بشأن تفاصيل تلك العمليات.
ويكتسب معبر التوم أهمية استثنائية في معادلة الجنوب، إذ يمثل نقطة عبور رئيسية بين ليبيا والنيجر، ويقع في نطاق جغرافي مفتوح على تشاد والسودان والجزائر، ما يجعله جزءا من حزام أمني بالغ الحساسية، وقد ظل خلال السنوات الماضية ساحة تنافس بين قوى عسكرية ومحلية، كما ارتبط اسمه بتصاعد أنشطة التهريب وتداخلها مع تحركات مجموعات معارضة في دول الجوار، ما جعل السيطرة عليه عنوانا لصراع نفوذ أوسع في فزان.
كما أن قاعدة معطن السرة الجوية، الواقعة في أقصى الجنوب، عادت إلى دائرة الضوء بعد حادث تحطم مروحية خلال مهمة إجلاء طبي في منتصف فبراير، في واقعة سلطت الضوء مجددا على أهمية القاعدة كمركز لوجستي في الصحراء، وعلى حجم التحديات اللوجستية والأمنية التي تحيط بأي انتشار عسكري في تلك المنطقة الشاسعة.
ويرى محللون أن ما يجري في الجنوب لا ينفصل عن محاولة قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر تعزيز حضورها العسكري وترسيخ نفوذها في فزان، مستفيدة من هشاشة الوضع الأمني في حزام الساحل وتراجع سلطة الدولة في المناطق الحدودية، إلا أن هؤلاء يحذرون من أن أي تحرك أحادي خارج إطار حكومة موحدة قد يفتح الباب أمام مزيد من التوترات الإقليمية ويقوض مساعي توحيد المؤسسة العسكرية.
في المقابل، تؤكد حكومة الوحدة الوطنية أن ملف الحدود الجنوبية يجب أن يدار عبر مؤسسات الدولة الشرعية وتحت إشرافها، ضمن اتفاقات رسمية تحترم سيادة ليبيا ودول الجوار، مشددة على أن استقرار الجنوب لا يتحقق عبر فرض وقائع عسكرية موازية، بل من خلال مشروع وطني شامل يعالج جذور التهميش ويعزز التنمية والخدمات ويعيد دمج المكونات المحلية في مؤسسات الدولة.
ومع استمرار التحليق الجوي ورفع حالة التأهب على طول المحور الجنوبي، يبقى المشهد مفتوحا على احتمالات متعددة، بين احتواء هش للتصعيد أو انزلاق نحو جولة أوسع من المواجهات، في منطقة تمثل عمقا استراتيجيا حساسا لليبيا، ويعكس ما يجري فيها حجم التحدي الذي تواجهه الدولة في بسط سلطتها على أطرافها البعيدة ومنع تكريس أي واقع عسكري خارج إطار الشرعية.
تصاعد التوتر الأمني في مناطق الجنوب الليبي على الشريط الحدودي مع النيجر

تعليقات الزوار
لا تعليقات