شيعت حشود بالمئات جثمان سيف الاسلام القذافي أمس بمدينة بني وليد جنوب شرق العاصمة طرابلس 180 كيلومتراً، والواقعة في نطاق سلطة حكومة الوحدة الوطنية.
وتمت مراسم دفن سيف الإسلام معمر القذافي، وسط إجراءات أمنية وتنظيمية مشددة، وبحضور محدود في موقع الدفن، فيما تزامن ذلك مع مواقف رسمية تؤكد أولوية الاحتكام إلى القضاء، ومع قراءات دولية حذّرت من أن الاغتيال قد يفتح فصلاً جديداً من التوترات في بلد لا يزال منقسماً وغير مستقر.
وبحسب ما أُعلن محلياً، نُقل جثمان سيف القذافي بعد صلاة الجمعة من مستشفى بني وليد إلى ساحة مطار المدينة استعداداً لمراسم الدفن، وأظهرت مقاطع متداولة لحظة نقل النعش وترتيبات التأمين في محيط المطار، فيما قالت مديرية أمن بني وليد إن مراسم الدفن ستقتصر على أفراد من عائلة المتوفى وعدد محدود من قبائل ورفلة والقذاذفة، مرجعة ذلك إلى «دواعٍ تنظيمية» وضمان سير المراسم وفق ما اتُّفق عليه، كما دعت المديرية الوفود والأهالي إلى التعاون مع عناصر الأمن والالتزام بالتوجيهات.
وتوافدت، ليل الخميس–الجمعة، وفود من أعيان وممثلي مجالس اجتماعية من مناطق ليبية عدة إلى بني وليد للمشاركة في العزاء، حيث استُقبلت في قاعة الصلح والمصالحة التي حُددت كنقطة تلاق للمعزين، قبل التحرك إلى مطار بني وليد لأداء الصلاة ثم الدفن. وفي السياق الأمني نفسه، نُشرت صور لتمركزات ودعم أمني من مديريات مجاورة، بينها ترهونة التي أعلنت الدفع بعناصر من المرور والنجدة لتأمين المراسم وتسهيل الحركة المرورية.
وبينما أُغلقت ترتيبات الدفن على نطاق محدود، اتسع النقاش السياسي حول الواقعة بوصفها جريمة قتل، لا باعتبارها حدثاً قابلاً للتوظيف، إذ قال رئيس حكومة الوحدة الوطنية إن «جريمة اغتيال سيف الإسلام القذافي تذكر بأن الدم الليبي، أيًّا كان صاحبه، يظل خطا أحمر لا يجوز التهاون معه»، وأضاف أن مسارات الاغتيال والإقصاء «لم تنتج يوما دولة ولا استقرارا»، بل عمقت الانقسام وأثقلت الذاكرة الوطنية بالجراح وأطالت أمد الصراع، مؤكداً أن الخضوع للقضاء والدولة هو الضامن للحقوق، وأن القضاء الليبي مؤسسة وطنية مستقلة وملاذ للعدل، كما استنكر أي محاولة للمساس بحق ذوي المتوفى أو قبيلته في إقامة مراسم العزاء أو تقييد واجب المواساة الإنسانية بين الليبيين.
وفي الجانب التنفيذي، صدر عن وزير الداخلية بحكومة الوحدة أمر إلى مديريات الأمن في بني وليد وترهونة والجفارة والمرقب والنواحي الأربع بتأمين وتنظيم مراسم العزاء والدفن، كما وجّه وزير الحكم المحلي كتاباً رسمياً إلى عميد بلدية بني وليد طالب فيه باتخاذ إجراءات عاجلة لتوفير التسهيلات اللوجستية اللازمة لإتمام إجراءات الدفن، بناء على طلب ذوي المتوفى وتعليمات رئيس مجلس الوزراء، وشددت المراسلة على تسيير الإجراءات الإدارية والخدمية وفق القوانين واللوائح النافذة، مع الإشراف على تهيئة الأجواء وتنظيم العملية بما ينسجم مع الطابع الإنساني والاجتماعي.
شروط مشددة لدفن الجثمان ولمدة العزاء
في المقابل، نقلت تصريحات لرئيس الفريق الإعلامي والحقوقي لسيف الإسلام القذافي عقيلة دلهوم، قوله إن «قيادة الرجمة» فرضت شروطاً مشددة على دفن الجثمان في مدينة سرت، شملت منع التعبير عن مشاعر الحزن وحظر رفع الصور أو الشعارات ذات الصلة، إضافة إلى اشتراط ألا تتجاوز مدة العزاء ثلاثة أيام، وقال دلهوم إن هذه الشروط أدت إلى تغيير مكان الدفن من سرت إلى بني وليد، وهي رواية تُقدَّم في إطار الجدل حول ترتيبات العزاء وموقع الدفن، دون أن تغيّر من مسار التحقيق الجنائي المعلن.
وكان الفريق السياسي لسيف الإسلام قد أعلن، مساء الثلاثاء، مقتله في مدينة الزنتان على يد «أربعة مسلحين مجهولين» قال إنهم اقتحموا مقر إقامته وعطّلوا كاميرات المراقبة ونفذوا «تصفية جسدية مباشرة». وفي تطور لاحق، أكد النائب العام استمرار عمل اللجنة المكلفة بمعاينة مسرح الجريمة وتوثيق الشواهد والأدلة، كاشفاً أن مناظرة الجثمان أثبتت تعرضه لأعيرة نارية أصابته في مقتل، قبل تسليم الجثمان لأفراد من قبيلته بناء على طلب عائلته.
وفي قراءة تحليلية للارتدادات المحتملة، حذّرت تقارير فرنسية من عودة التوترات السياسية والأمنية في ليبيا عقب الاغتيال، معتبرة أن الحادثة قد تمثل «نهاية محتملة للقذافية» وتفتح فصلاً جديداً من عدم الاستقرار، وقالت إذاعة فرنسا الدولية إن اغتيال سيف الإسلام يأتي بعد نحو 15 عاماً من مقتل والده معمر القذافي في سرت عام 2011، مشيرة إلى أن سيف الإسلام ظل يُنظر إليه باعتباره «الوريث السياسي الأخير» لعائلة القذافي ورمزاً محتملاً لعودتها إلى المشهد، وأضافت الإذاعة أنه كان يتمتع بشعبية ونفوذ لا يملكه أي فرد آخر من العائلة، ما يجعل غيابه مؤثراً في مستقبل العملية السياسية، ولا سيما في ظل الانقسام وتعدد مراكز القوى.
وبحسب ما نقلته الإذاعة عن مراقبين، فإن الاغتيال قد تكون له تداعيات على الأطراف المتنافسة، وأن فقدان شخصية يُنظر إليها على أنها قادرة على لعب دور توحيدي «لن يكون في مصلحة البلاد»، كما نقل التقرير رأي خبيرة الشؤون الليبية وأستاذة جامعة لويس غيدو كارلي في روما فيرجيني كولومبييه، التي قالت إن وفاة سيف الإسلام تخدم عدداً من الفاعلين السياسيين الذين اعتبروه منافساً محتملاً، خاصة مع سعيه إلى الدفع بمشروع للمصالحة الوطنية، وهي قراءة تربط الواقعة بتوازنات السلطة والموارد، وبحساسية بروز «طرف ثالث» في معادلة الصراع.
المصالحة الوطنية أولى الضحايا
وذهبت إذاعة فرنسا الدولية إلى أن المصالحة الوطنية قد تكون من «أولى ضحايا» الاغتيال، مذكّرة بإخفاق مسارات متكررة في هذا الملف، وبفشل ما لا يقل عن سبعة مبعوثين أمميين في تحقيق تقدم ملموس، وفق ما ورد في التقرير، كما استحضر مثال عام 2019 حين أُشير إلى أن الإدارة الأميركية أعطت الضوء الأخضر لخليفة حفتر لمهاجمة طرابلس قبيل مؤتمر وطني جامع، وهو ما أدى لاحقاً إلى استقالة المبعوث الأممي آنذاك غسان سلامة، في سياق يعكس هشاشة فرص التسويات أمام منطق القوة.
وبحسب التقرير الفرنسي نفسه، يأتي الاغتيال في توقيت «حساس» مع سعي الأمم المتحدة لإعادة إطلاق صيغة جديدة للحوار الوطني، ومع تحديد نوفمبر المقبل موعداً نهائياً لهذا المسار، وحذّرت كولومبييه من أن الخطر يكمن في تعرض عملية الحوار لعرقلة خطيرة، مع بقاء احتمال عودة التوترات قائماً، كما أشار التقرير إلى احتمال استفادة أطراف إقليمية ودولية من مقتل سيف الإسلام، لافتاً إلى مواقفه السابقة الرافضة للإدارة الحالية واعتباره أنها خاضعة لتأثير قوى أجنبية.
وبينما انطوت إجراءات الدفن في بني وليد ضمن ترتيبات أمنية وتقييدات تنظيمية، يبقى المسار الأكثر حسماً مرتبطاً بما ستفضي إليه التحقيقات القضائية، وبكيفية تعامل السلطات مع تداعيات حادثة تُقرأ داخلياً بوصفها ملفاً جنائياً يتطلب محاسبة، وتُقرأ خارجياً بوصفها مؤشراً على هشاشة الاستقرار وقابلية المشهد الليبي لارتدادات جديدة.

تعليقات الزوار
لا تعليقات