نشرت صحيفة “لوموند” تحليلا للصحافي مصطفى كسوس تناول موضوع هجرة شباب الجزائر وأبعاده ودلالاته.
وذكر أنه وفقًا للمنظمة الدولية للهجرة، فقد هاجر أكثر من 54,000 جزائري إلى أوروبا، وخاصةً إلى فرنسا، بين عامي 2020 و2024. هذا التدفق لا يتوقف ويعكس خيبات أمل الشباب الذين يواجهون نقصًا في الآفاق في بلدهم.
ولفت الكاتب إلى أنه على وسائل التواصل الاجتماعي تنتشر العديد من مقاطع الفيديو للحراقة (المهاجرين السريين) الجزائريين – هؤلاء الذين يغادرون بلادهم عبر البحر دون جواز سفر أو تأشيرة – وهم سعداء باقترابهم من الشاطئ الإسباني. وذكر أنه في 3 سبتمبر الماضي، وبفرح مدهش، وصل سبعة مراهقين إلى إيبيزا من خليج الجزائر على متن قارب ترفيهي مسروق. هذه الرحلة التي تم بثها مباشرة على “تيك توك” أثارت ضجة في الجزائر، مما أعاد إحياء مسألة “الهجرة” إلى أوروبا.
ففي فرنسا، الهجرة الجزائرية هي موضوع متكرر في النقاشات السياسية والإعلامية بين باريس والجزائر، لم تتوقف منذ الاستقلال في عام 1962 عن كونها موضوعًا للمفاوضات الأبدية، خصوصاً أن أعداد “الحراقة” من الجزائر لا تزال مرتفعة جداً في السنوات الأخيرة.
وأشار التقرير إلى أنه من 1 يناير إلى 31 أكتوبر، سجلت وكالة فرونتيكس (الوكالة الأوروبية للحدود)، 8496 عبورًا غير قانوني لمواطنين جزائريين إلى جزر البليار أو شواطئ جنوب إسبانيا القارية. يمثلون أكثر بقليل من نصف تدفق المهاجرين (16,321) الذين سلكوا هذا الطريق المسمى “طريق البحر الأبيض المتوسط الغربي”. وهم يشكلون خامس جنسية بين الأكثر تمثيلاً بين الدخول غير الشرعي إلى أوروبا، وفقاً لمنظمة الهجرة الدولية (OIM).
في تقدم كبير منذ عام 2023، تشهد هذه الطريق ازدهارًا جديدًا هذا العام: + 27% من الوافدين، بجميع الجنسيات، مقارنة بنفس الفترة من عام 2024، وحتى + 66% فقط في جزر البليار، وفقًا لوزارة الداخلية الإسبانية. تُنسب فرونتيكس هذه الزيادة إلى تعزيز الرقابة على الهجرة في المغرب “مما يدفع المزيد من الأشخاص إلى اللجوء إلى خدمات المهربين في الجزائر”.
وذكر التقرير أنه بعد عام من التحول المؤيد للمغرب من قبل مدريد بشأن الصحراء الغربية، أدت الاتفاقيات الموقعة بين البلدين في فبراير 2023 إلى تقليص الرحلات بشكل كبير، بما في ذلك إلى جزر الكناري (− 58.6%). ونقل التقرير عن عالم الاجتماع المغربي علي زبيدي، المتخصص في الهجرة شرحه للأمر بقوله «لقد تكيفت الشبكات وفقًا لذلك، بسبب عدم وجود تعاون هجرة وثيق بين مدريد والجزائر كما هو الحال مع الرباط».
أسباب الرغبة في الهجرة
وتساءل كاتب التقرير لماذا يغادر الجزائريون بلادهم؟ والجواب: الباحثون والدبلوماسيون الفرنسيون متفقون: «الرغبة في الهجرة». «هذا الشعور بعدم الرغبة في البقاء في الجزائر عميق. إلى جانب العاطلين عن العمل والشباب، نجد الموظفين، والشرطة، والعائلات مع الأطفال. بإيجاز، هم أشخاص متكاملون مهنيًا»، يلاحظ عالم الاجتماع الجزائري ناصر جابي. «هؤلاء الحراقة لم يعودوا لاجئين اقتصاديين، بل أشخاص يبحثون عن مكان لبناء حياة جديدة والازدهار بحرية»، يضيف سعيد بلقيدوم، أستاذ محاضر متميز في جامعة إكس-مرسيليا.
هذه الظاهرة ومقولة “الحياة السيئة” ليست جديدة. فوفقًا للمنظمة الدولية للهجرة، فقد وصل أكثر من 54,000 جزائري إلى أوروبا بين عامي 2020 و2024 – أي حوالي 10,000 سنويًا – بشكل أساسي عبر طريق البحر الأبيض المتوسط الغربي.
ولفت التحليل إلى أن 2019 كانت سنة محورية. في ذلك الوقت، كانت الجزائر تهتز بسبب الحراك، وهو انتفاضة شعبية حاول خلالها ملايين المتظاهرين “إزاحة النظام”. الشباب، على وجه الخصوص، كانوا يعدون حينها بالبقاء لبناء الجزائر الغد، “حرة وديمقراطية”. في تلك السنة، انضم أكثر من 5000 جزائري إلى أوروبا. في العام التالي، كانوا تقريبًا ثلاثة أضعاف العدد.
ووفق التحليل تُفسر هذه الزيادة الحادة، من بين أمور أخرى، بالاستعادة السلطوية للسلطة من قبل الرئيس عبد المجيد تبون. وينقل ما قاله يذكر المحامي الجزائري عيسى رحمون، المنفي في فرنسا والأمين العام للفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان (FIDH): «الواقع مرعب. بعد هذا الحلم بالتغيير الذي حطمه النظام، يفضل الجزائريون من جميع الفئات الاجتماعية ومن جميع الأعمار الهروب من البلاد» و«فشل الحراك قد سرع من عمليات الهجرة»، يؤكد ديدييه ليشي، المدير العام للمكتب الفرنسي للهجرة والاندماج (OFII)». «لأن الجزائر لا تقدم أي آفاق لجزء من شبابها، فإنهم يفرون». معدل بطالة الشباب (من 16 إلى 24 عامًا) يقترب من 30%.
هل هي “صمام أمان” للجزائر؟
ووفق التحليل تراقب فرنسا عن كثب هذه الهجرة غير الشرعية لأن «الغالبية تأتي إلى بلدنا، كما يقول السيد ليشي، 80% من المهاجرين الجزائريين في أوروبا هم في فرنسا».
وتساءل الكاتب: هل تترك الجزائر هؤلاء المهاجرين يهربون عمداً للضغط على فرنسا، في سياق الأزمة الدبلوماسية مع باريس، التي تجددت في يوليو 2024 بعد اعتراف إيمانويل ماكرون بـ “السيادة المغربية” على الصحراء الغربية؟
وذكر أنه في ذلك الصيف، كانت السفارة الإسبانية في الجزائر قد نبهت الدبلوماسيين الفرنسيين للإشارة إلى “زيادة في تدفق الحراقة”.
هل يمكن أن تكون هذه أيضًا صمام أمان يهدف إلى تهدئة التوترات الاجتماعية الجزائرية؟ ديدييه ليشي يقول للصحيفة إنه مقتنع بأن “السلطات تترك الأمور تمر بدلاً من أن تواجه غداً جيل زد الذي سيحاسبها”.
يؤكد ناصر جابي “السلطات لا تستطيع فعل أي شيء، لقد استسلموا”.
ووفق التحليل فإن الصحافة لم تعد تتحدث عن هذه الهجرة، معتبرة أنها واقع مفروض، ففي مجلة الجيش الجزائري “الجيش” لشهر سبتمبر، اعترفت السلطات بأنها ليست “محصنة” من “الهجرة غير الشرعية” التي “تؤثر بشكل رئيسي على شبابها”. وتؤكد السلطات أن “هذه الظاهرة” يعاقب عليها القانون، فرسميًا، يواجه “من يقوم بنقل الحراقة” الجزائري عقوبة السجن.
لكن التحليل يؤكد أنّ الحراقة يواصلون تحدي السلطات و«الجزائر الجديدة» التي يقول المسؤولون إنهم يريدون بناءها.
ويخلص تحليل “لوموند” إلى أن ذلك يعبر عن افتقار الشباب الجزائريين إلى المستقبل، وقد أصبحوا أيضًا نقطة خلاف في العلاقات المتوترة بين فرنسا والجزائر

تعليقات الزوار
لا تعليقات