أخبار عاجلة

بعد انخفاض سعر برميل النفط أية حكامة في تدبير الجزائر عائدات النفط؟


في العام 2005 قطع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة وعداً بأن تصبح الجزائر "تنينا اقتصاديا في أفريقيا والعالم الثالث" في حدود 2015، وكان آنذاك يقتدي شفهيا بما تحققه تنانين آسيا. ووعد بالعمل الوفير وحل أزمة السكن والصحة والماء الصالح للشرب والكهرباء وتحقيق الأمن الغذائي بدعم المواد الاستهلاكية.

وعود على الورق


لقد عجز نظام بوتفليقة في تغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي المزري بالجزائر منذ 2005 إلى سنة 2014. بسبب اعتماده الكلي على بيع المحروقات لسد كل متطلبات الدولة. ولم يعمل منذ الاستقلال على تطوير اقتصاد البلاد ليصبح متنوع المداخيل.


إن الاعتماد الكلي على مداخيل الثروة النفطية بالجزائر جعل النظام الجزائري يغرق في المشاكل الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة منذ سنوات، كونه عمل على توزيع العائدات في شكل ريع نفطي دون برمجة واقعية وخطة بعيدة المدى. جعلت الكثير من المستفيدين منها لا يغيرون عاداتهم في النفقات حتى مع انخفاض مداخيل النفط.


يحاول النظام الجزائري تطويع البترودولار لتشجيع المجالات المتعلقة بتطوير الاقتصاد والاستثمار، لكن تبقى محاولات للاستهلاك السياسي دون النفاذ إلى جوهر المشكل بالجزائر المتعلق بتردي الخدمات وغياب البنية التحتية والترسانة القانونية والبشرية المتدربة لتشجيع الاستثمار.


إن أي مشروع شراكة في مجال الصناعة أو التجارة بين الجزائر وغيرها من المؤسسات والدول، يتطلب تجهيزات ولوجيستيك متطور ويد عاملة خبيرة وأسواق هاضمة للمنتوج وبيئة قانونية مسهلة واستقرار سياسي واجتماعي.وهذا ما نشك فيه تحققه في الوقت الحالي بالجزائر، ما يجعل الاتفاقات التي تبرمها الحكومة الجزائرية في هذا الشأن مجرد واجهة إعلامية وتشويش سياسي لا أقل.


الكل بالجزائر أصبح متذمرا من الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فالفساد المستشري والبنية التحتية المتخلخلة والتضييق المستمر على حرية الرأي، وتبعية الإعلام المطلقة لتوجيهات النظام العسكري، والبطالة التي لا زالت في ارتفاع. كل هذا يجعل الوضع العام بالجزائر في حالة مرتبكة ومقلقة وقابلة للاشتعال في كل لحظة.


تأثير انخفاض سعر برميل النفط


يعمل تراجع أسعار النفط بالضغط سلبيا على الموازنة العامة بالجزائر، ما يجعل النظام في ورطة ارتفاع كلفة شراء السلم الاجتماعي. باعتبار أن الأزمة لن تبقى محصورة فقط في الطبقات المحرومة بل ستتعداها إلى المستفيدين من عائدات النفط وعلى رأسهم المؤسسة العسكرية الذين لن يرضوا بأن تمس امتيازاتهم في ظل تراجع سعر البرميل.


الجزائر أصبحت رهينة تقلبات الأسواق العالمية سواء فيما يخص بيع المحروقات أو استيراد المواد الاستهلاكية. فانخفاض سعر البرميل الواحد الى مستوى 89 دولاراً أو اقل يضرب موازنة الجزائر في الصميم، الشيء الذي يجعلها تخسر ما بين 18 إلى 20 مليار دولار سنويا، وقد حدد بنك الجزائر المركزي سنة 2012 أن الجزائر بحاجة ألا ينخفض سعر برميل النفط أقل من 112 دولارا لموازنة العجز في الميزانية.


وبوصول سعر البرميل إلى ما دون 100 دولار. يكون قانون المالية الجزائري لسنة 2015 حسب التوقعات عاجزا عن تحقيق الإجراءات المتضمنة فيه ذات الطابع الاجتماعي، بدعم المواد الاستهلاكية.


باستمرار انخفاض أسعار النفط الخام. الشيء الذي يجعلها تخسر ما بين 18 إلى 20 مليار دولار سنويا، وقد حدد بنك الجزائر المركزي سنة 2012 أن الجزائر بحاجة ألا ينخفض سعر برميل النفط أقل من 112 دولاراً لموازنة العجز في الميزانية.


انخفاض سعر برميل النفط الى مستويات غير متوقعة سيضرب ما تبقى من البنية الاقتصادية المترهلة للجزائر، رغم ما يدعيه المسؤولون هناك، من أن هناك احتياطات تم اتخاذها، باعلان وزير المالية محمد جلاب "نحن نتتبع تطور الأسعار، ووضعنا كل السيناريوهات في الحسبان، وهي في أيدينا"، فالأمر لا يعدو كونه كلام للاستهلاك الإعلامي وطمأنة المجتمع الجزائري.


فشل سياسة دعم الطبقة الفقيرة


ما يعزز الرأي القائل بأن النظام الجزائري لا يمتلك خطة للنهوض بأعباء الطبقة المعوزة، ما جاء في تقرير أخير صادر عن صندوق النقد الدولي انتقد سياسات الدعم الموجهة إلى الأسر المحرومة بحيث أن هذه الأخيرة لا تستفيد من عائدات الثروة النفطية. وذلك راجع حسب نفس التقرير إلى عدم وجود خطة طويلة الأمد لاستغلال المحروقات، الأمر الذي لا يضمن مصالح الأجيال القادمة خاصة مع إمكانية ضعف مداخليها من المحروقات، وعدم تمويل أكثر لنفقات الإنتاج.


فسياسة الدعم التي تنهجها الجزائر لا تذهب رأسا إلى الفئة المحرومة بل تنافسها فيها الطبقة الميسورة سواء في سعر الخبز المدعم أو السكن والتعليم وغيره. ما يجعل النظام فاقدا لمصداقية ونجاعة سياساته الاجتماعية. بدعمه تجار استيراد المواد الاستهلاكية من ضمنها القمح، وتسهيله تحكم لوبيات في الاسواق وتسعير المواد. ما يعجل بفشل كل خطة إصلاحية اقتصادياً واجتماعياً.


وفي دراسة إحصائية حول القدرة الشرائية للمواطنين وتكلفة المواد الغذائية، أكدت أن التفاوت الكبير بين فئات المجتمع كانت وراء بروز شريحة الأغنياء تقابلها طبقة الفقراء من ذوي الدخل الضعيف، بينما تتجه الطبقة المتوسطة نحو الاختفاء.


وأشارت نفس الدراسة إلى أن العديد من المواد الغذائية تغيب عن الطاولة اليومية للعائلات الفقيرة التي أخذت تتسع خلال العشرية الأخيرة. ما يجعل الطبقة الفقيرة محرومة من المواد الأساسية الضرورية لصحة المستهلك من بينها اللحوم البيضاء والحمراء، التمور، وجميع أنواع الفواكه.


ويأتي ارتفاع الأسعار في مقدمة الأسباب التي تحول دون استفادة هذه الفئات من تلك المواد الأساسية والضرورية. لتكتفي فقط ببعض المواد البقولية والنشويات في وجباتها الأساسية.


رغم ان الحكومة الجزائرية تزيد في أجور الموظفين إلا أن الحقيقة هو أن ارتفاع الأجور لا يوازيه انخفاض في الأسعار. الشيء الذي سيعجل بالقضاء على الطبقة المتوسطة ما سيكون وبالاً على النسيج الاجتماعي، باتساع الهوة بين طبقة مستفيدة من ريع النفط، وطبقة مسحوقة محرومة من عائدات ثروة النفط والغاز.


لهذا تكون فاتورة المستهلك الجزائري في ارتفاع متواصل، مع الزيادة في أسعار السلع والخدمات التي ارتفعت خلال العشر سنين الأخيرة والمرجح استمرارها. ما يزيد من أعباء الأسر الفقيرة في فاتورة السكن ومتعلقاته، والنقل والمواصلات.


سوء تدبير عائدات النفط


عوض أن تعمل حكومة الجزائر على ترشيد النفقات العمومية وتنويع المداخيل بقيت تعتمد أساسا على مداخيل تصدير النفط والغاز، وتصرفها في غير محلها منها مجال التسليح وصرف الميزانيات على مشاريع وهمية.


إن تلك الميزانيات المهولة التي تنفقها وزارة الدفاع عن التسلح، ارتفعت إلى 13 مليار دولار أميركي عام 2015، بزيادة قدرها 10 بالمائة مقارنة مع موازنة عام 2014. نسبة مئوية تم اقتطاعها من الميزانية العامة دون اعتبار لتراجع أسعار النفط ولا احتياجات المجالات الحساسة التي تدعمها الدولة.


ميزانية التسليح بهذا الشكل يرجع إلى تواطؤ الطبقة السياسية داخل مجلس الشعب الجزائري الذي كان واضحا عندما تم تمرير موازنة الجيش دونما اعتراض من لجنة المالية، بدعوى عصرنة الجيش وتسليحه باسلحة متطورة.


إن وزارة الدفاع تبتلع من ميزانية الدولة مليارات هائلة تذهب جلها في صفقات وعمولات مشبوهة. فمن 2.5 مليار عام 2008، قفزت عام 2009 إلى 6.5 مليار دولار. ووصلت الى 9.7 مليار دولار عام 2012، بمعدل مليار دولار عن كل سنة.


سباق التسلح الذي تنهجه الجزائر يطبعه غموض في الصفقات والأهداف، تحاول الحكومة تبديده بالقول انه موجه لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. كل هذا كان بمباركة الرئيس الجزائري منذ وصوله الحكم عام 1999. لتكون أجندته تابعة لما تخططه المؤسسة العسكرية وليس العكس.


في سياق سوء تدبير عائدات النفط تشير تقارير متعددة إلى أن الحكومة الجزائرية ادعت صرف ميزانيات بمليارات الدولارات على إعادة تنقية بالوعات الصرف الصحي، وإعادة تأهيلها. لكن الواقع المعيش كذب ادعاءات ما أعلنته من مخططات تنظيف البالوعات المدرج ضمن مشروع عملية التنقية لسنة 2012 و2013. فالعاصمة الجزائر تعيش تحت وقع خطر فيضان 9 أودية تقطعها دون دراسة طبوغرافية.

 



الجزائر تايمز محمد بن امحمد العلوي

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات